لدى الرئيس دونالد ترامب تاريخ طويل من الشكوك حيال حلف «الناتو». ففي مقابلة عام 2016 مع صحيفة «نيويورك تايمز»، رفض الالتزام بالدفاع عن الشركاء في الحلف حال تعرضهم لهجوم خارجي، مُبدياً استياءَه من أن «هناك العديد من أعضاء الناتو لا يدفعون نفقاتهم». وخلال زيارته الأولى إلى أوروبا كرئيس في عام 2017، فاجأ حلفاءَه الأوروبيين برفضه تأكيد التزامه بالمادة الخامسة من معاهدة «الناتو» التي تضمن الدفاع المتبادل.
ولذا، لا عجب إن قال مستشار الأمن القومي السابق لترامب، جون بولتون، إن احتمالية انسحاب ترامب من الحلف «مرتفعة للغاية». ومن المفاجآت السارة القليلة في هذه الفترة عدم حدوث ما كان متوقعاً، فبدلاً من انسحاب ترامب من حلف الناتو، يبدو أنه أكثر حماساً للانخراط فيه من أي وقت مضى. فقد صرّح للصحافة، في يونيو، أنه غادر قمة الناتو في هولندا مقتنعاً بأن «شعوب هذه الدول تحب بلدانها حقاً»، وبأن الناتو «ليس خدعة»، وبأن «هدفنا هو مساعدتهم في حماية بلدانهم».
وقد شعر الجميع عبر الأطلسي بالارتياح لهذه التصريحات. نجح القادة الأوروبيون، وعلى رأسهم الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، في إرضاء ترامب. فقد وافق الأوروبيون على مطالبه بزيادة الإنفاق على الدفاع إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، وهو ما يزيد على نسبة الإنفاق في الولايات المتحدة نفسها.
وسيخصص الأوربيون 3.5% من النسبة الجديدة لأنظمة الأسلحة والجيش، بينما سيخصصون 1.5% لبنية تحتية حيوية، مثل الطرق والجسور، وغيرها من الشؤون المرتبطة بالدفاع. لكن هذا الالتزام بدا كافياً لإرضاء ترامب، خاصة مع الكم الهائل من الإطراء الذي رافقه. ويبدو أن ترامب استمتع كثيراً عندما خاطبه روته ب«أبي»، وذلك في رسالة مليئة بالمدح، جاء فيها: «دونالد.. ستنجح في تحقيق ما لم يستطع أي رئيس أميركي فعله منذ عقود.. ستدفع أوروبا ثمناً باهظاً، كما يجب، وسيكون هذا انتصارك».
ومع تحسن العلاقات عبر الأطلسي، تمكن القادة الأوروبيون من التوجه بسرعة إلى البيت الأبيض، في أغسطس، بعد قمة بوتين وترامب في ألاسكا، لإقناع الرئيس الأميركي بعدم تقديم أي تنازلات مبكرة لروسيا. وفي الآونة الأخيرة، تبنى ترامب موقفاً أكثر صرامةً ضد روسيا، على الأقل على مستوى الخطاب.
فبعد ما قيل إنه اختراق روسي للمجال الجوي البولندي والأستوني، سُئل ترامب في 21 سبتمبر عما إذا كان سيقدم المساعدةَ لحلفاء الناتو حال تعرضهم لهجوم عسكري، فأجاب: «نعم، سأفعل». والثلاثاء الماضي، سُئل عما إذا كان ينبغي للناتو إسقاط الطائرات الروسية في مجالهم الجوي، فرد بالإيجاب. وبعد لقائه الرئيس فولوديمير زيلينسكي في الأمم المتحدة الأسبوع الماضي، بدا ترامب وكأنه صار من أشد مؤيدي أوكرانيا.
وفي فبراير، كان قد قال لزيلينسكي إن على أوكرانيا تقديم تنازلات كبيرة لروسيا لأنها «لا تملك نفوذاً في الوقت الحالي». لكن الأسبوع الماضي، وبعد لقائهما، كتب ترامب على منصة «تروث سوشال»: «أعتقد أن أوكرانيا، بدعم من الاتحاد الأوروبي، في وضع يمكّنها من القتال واستعادة كامل أراضيها الأصلية». حتى العديد من الأوكرانيين لا يعتقدون أن هذا ممكن في المستقبل القريب، لكنهم سعداء بسماع ترامب يدعمهم وينتقد روسيا.
فهل يعني ذلك أن ترامب ملتزم بالكامل بدعم حلف الناتو وأوكرانيا؟ يتعهد الرئيس بالوقوف إلى جانب الناتو، لكن وزارة دفاعه تقطع كل المساعدات الأمنية للدول الأوروبية، بما فيها دول البلطيق المتضررة. وينتقد ترامب روسيا، لكنه لم يفرض عليها أي عقوبات جديدة، بل إنه استثناها من الرسوم الجمركية «المتبادلة» التي فرضها على معظم دول العالم.
وآخر حجة لدى ترامب لتبرير عدم معاقبة روسيا إشارته إلى أن بعض الدول الأوروبية لا تزال تشتري النفط والغاز الروسيين. وهذا صحيح، لكن أوروبا خفضت وارداتها من الطاقة الروسية بنسبة 89% منذ عام 2022 وتخطط للاستغناء عنها بالكامل بحلول عام 2028. وأكبر ثلاثة مشترين متبقين هم المجر وسلوفاكيا وتركيا، وهم دول تقودها شخصيات مقربة من ترامب. وعلاوة على ذلك، لم يطلب ترامب من الكونجرس أي مساعدات أمنية إضافية لأوكرانيا، رغم تزايد غارات الطائرات المسيّرة والصواريخ الروسية على المدن الأوكرانية.
أقصى ما سيفعله هو بيع الأسلحة للأوروبيين ليتمكنوا من نقلها إلى أوكرانيا، مؤكداً بذلك أنه يعتبر الحرب في أوكرانيا، التي ألقى كثيراً من اللوم فيها على زيلينسكي، مسألة لا تهم الولايات المتحدة. خلال زيارته الأخيرة لبريطانيا، قال ترامب إن موسكو «خيبت آماله»، لكنه أضاف: «هذا لا يؤثر على الولايات المتحدة».
وتجدر الإشارة إلى أنه بينما يبدو ترامب مستعداً لأن يسمح لحلف الناتو بإسقاط الطائرات المسيرة أو الطائرات الروسية في أجواء دوله الأعضاء، إلا أنه لا يعرض مشاركة الطائرات الأميركية في هذه العملية. وعندما أُعلن عن اختراق الطائرات المسيرة الروسية المجالَ الجوي البولندي، التمس الأعذارَ لروسيا.
كما تجدر الإشارة إلى أنه مع أن ترامب يذكر الآن أن أوكرانيا قادرة على استعادة جميع أراضيها، إلا أنه لا يعرض أيَّ دعم أو مساعدة لها لتحقيق ذلك. وكان ختام منشوراته على وسائل التواصل الاجتماعي غامضاً: «أتمنى كل خير للبلدين»، مُشيراً إلى أوكرانيا وروسيا. ثم أضاف: «سنواصل تزويد الناتو بالأسلحة ليستخدمها كما يشاء. حظاً سعيداً للجميع!».
يبدو أن ترامب يتحدث عن حلف الناتو ككيان غريب ليس له به علاقة، من دون أي إدراك بأن الولايات المتحدة أهم عضو في الحلف، أو أن من مصلحتها الدفاع عن حلفائها في الناتو. كما كتب ميتش ماكونيل، زعيم الأغلبية السابق في مجلس الشيوخ (عن ولاية كنتاكي)، الأسبوع الماضي: «العالم يترقب ليرى إن كانت إدارة ترامب ستترجم خطاباته إلى أفعال». لكن لا توجد إلى الآن مؤشرات على ذلك. *زميل مجلس العلاقات الخارجية الأميركي.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»


