بين الحين والآخر، يظهر دليل قوي بما يكفي لاختراق ضجيج الجدل الذي يثيره منكرو التغير المناخي. فقد قدم عالم المناخ «زيك هاوسفاذر» من مؤسسة «بيركلي إيرث» مؤخراً تصوراً صارخاً يُظهر السرعة الهائلة لارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض؛ نتيجة الغازات الدفيئة التي يضخها البشر في الغلاف الجوي. وهذا التصور عبارة عن رسم بياني نشره عبر منصة «سابستاك» بعنوان «ذا كلايمت برينك»، يوضح النسبة المئوية من مساحة اليابسة في العالم، التي شهدت أكثر الأشهر حرارة في تاريخها خلال كل عقد منذ سبعينيات القرن الـ19. ويكشف الرسم أن مساحات ضئيلة للغاية من سطح الأرض، سجلت تلك الأرقام القياسية قبل القرن الـ20.
أما الآن، فقد شهد نحو 78% من سطح الأرض درجات حرارة قياسية خلال القرن الـ21، ويعني ذلك ببساطة ومن دون أرقام، أن العالم يزداد حرارة، وبسرعة مذهلة. وهو ما يتوافق مع رسم بياني آخر نشرته الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء (ناسا) يُظهر تغيّراً في متوسط درجة حرارة سطح الأرض العالمية على مدار 145 عاماً الماضية. وقد ارتفعت الحرارة بشكل مطرد تقريباً على مدار العقود الخمسة الماضية.
وتدحض هذه الرسومات بشكل مباشر نقطتين رئيسيتين على الأقل يستخدمهما مُنكرو تغير المناخ لإبطاء وتيرة التحرك وإطالة فترة حرق الوقود الأحفوري في العالم. أولاً، تُكذب الرسوم البيانية الحقيقة المُختلقة في الخِطبَة اللاذعة الأخيرة للرئيس دونالد ترامب المنكر دوماً للتغير المناخي، والتي ألقاها في الأمم المتحدة، حيث قال: «في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، كانوا يقولون إن التبريد العالمي سيُدمر العالم، ويجب التصرف حيال ذلك. ثم قالوا إن الاحترار العالمي سيُدمر العالم، لكن الحرارة انخفضت، فأطلقوا عليه تغير المناخ، حتى لا يخطئوا إن ارتفعت الحرارة أو انخفضت. إنها أعظم عملية احتيال ارتُكبت ضد العالم، في رأيي».
لكن كما تُظهر الرسوم البيانية، فترة التبريد تلك كانت مؤقتة، فبعد حقبة الثلاثينيات ظلّت درجات حرارة الأرض ترتفع بثبات منذ سبعينيات القرن الماضي. وعلى عكس ما يروّج له ترامب، كان القرن الأخير هو الأشد حرارة في تاريخ البشرية المدوّن. ويُعد ثاني هذه الرسوم البيانية، التي تُعالجها هذه الأسطورة، هي خرافة أن العالم كان أكثر حرارة في ثلاثينيات القرن الماضي، وهو ما روجت له وزارة الطاقة في عهد ترامب مؤخراً في محاولتها المكوّنة من 141 صفحة لدحض علم المناخ الراسخ، وهي محاولة وصفت على نطاق واسع بأنها فاشلة. صحيح أن الولايات المتحدة كانت شديدة الحرارة خلال عقد «عاصفة الغبار» في الثلاثينيات، حين بلغت موجات الحر شدتها القصوى في التاريخ الأميركي، وفق بيانات وكالة حماية البيئة، بل أظهر مخطط «هاوسفاذر» أن نحو 3% من سجلات درجات الحرارة في ذلك العقد لا تزال قائمة، وتشمل بعض مناطق الولايات المتحدة. لكن ذلك لم يكن سوى ظاهرة محلية استثنائية، لا تعكس اتجاهاً عالمياً.
وأدى المزيج إلى توليد حرارة زائدة امتدت حتى أوروبا، بينما ظلت بقية أنحاء العالم باردة كالمعتاد. ومع تراجع حرارة المحيطات وتحسين أساليب الزراعة، اختفى ذلك الاحترار المحلي بسرعة. والآن، عادت درجات الحرارة بقوة إلى الولايات المتحدة وبقية العالم بعد عقود من إنتاج البشرية للغازات الحابسة للحرارة. وبالمعدل الذي نسير به، سيبدو عصر «عاصفة الغبار» وكأنه فترة استراحة باردة.. إنه إنكار للحقيقة وتكتيك يهدف إلى صرف انتباهنا عما يجب علينا القيام به لوقفه. وربما كان التلويح بمثل تلك الرسوم البيانية مجرد البداية.
مارك غونغلوف*
*كاتب متخصص في قضايا المناخ
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لاينسج آند سينديكيشن»


