انتهى الجزء الأول من حواري مع برنامج الذكاء الاصطناعي، حول مخاوف العديد من بني البشر من التعامل مع أقرانه، بمجموعة من النصائح أسداها لي، ليبدأ النقاش حول نقطة جديدة، ألا وهي مدى تمتعه بالحيادية والموضوعية في إجاباته، وما إذا كانت الإجابات نابعة منه كبرنامج تقني أم نتيجة تخزينه للمعلومات التي تدرّب عليها؟
وبالنسبة للموضوعية، فقد نصحني البرنامج بألا أثق في إجاباته، بل يجب أن أتشكك فيها وهذا منهج صحيح للتعامل معه، لأن التشكّك وسيلة سلامة تجعل التعامل مع الذكاء الاصطناعي أكثر مسؤولية وفعالية. وأضاف أنه يجب اعتباره مساعداً ذكياً وسريعاً وواسع الاطلاع، يميل أحياناً إلى اختلاق الأمور أو تذكرها بشكل خاطئ، وليس وسيطاً روحانياً. وقال: يجب عليك كإنسان أن تطبّق مبدأ الشك على أي مصدر تأتيك منه المعلومات وليس تجاهي فقط، أي أن تقوم بفحص المعلومات والتأكد من صحتها واتخاذ القرار المناسب بشأنها، فالتشكّك قوة وليس ضعفًا، وهو ما يجعلكم كبشر مختلفين عني كبرنامج. وبالنسبة لإجاباته، فقد أكد البرنامج أن تفاعلاته معي هي خلاصة تدريبه ومحصلة المعلومات والمقالات والأرقام والبيانات والأبحاث الهائلة المخزّنة فيه. فعند قيامي بتوجيه سؤال له، يقوم بتحليل أنماط كلامي، ثم تقوم شبكته العصبية بالربط بينها وبين عدد لا يحصى من المقالات والمناقشات والتقارير التي تَدرَّب عليها، ثم يقوم بتوليد إجابات تناسب نمط الألفاظ الواردة في سؤالي. وعليه فجميع الإجابات نابعة منه كبرنامج، ولذا فعلى الإنسان توخي الحذر مِن إجابات قد تكون مغلّفةً بالمنطقية والمصداقية وباطنها أخطاء ومغالاة. وأضاف البرنامج أنه لا يمتلك أية مشاعر أو أحاسيس أو ضمير يجعله يخاف أو يبتهج مثل البشر، ولذلك يجب على الإنسان أن يتذكر دائماً السؤالَ الأهم: كيف تتأكدون من أن أنظمة الذكاء الاصطناعي التي اخترعتموها قوية وصادقة ومتوافقة مع القيم والأهداف الإنسانية؟ وكيف نمنعها من أن تكون تكون وسيلة تدمير؟
وحول نقطة توقف تدريبه في تاريخ محدد، رغم استطاعته الولوج لشبكة الإنترنت والتعلم منها بعد ذلك التاريخ، أجاب البرنامج بالقول إن صانعيه تعمّدوا ذلك لحمايته من «السموم» والمعلومات الزائفة المنتشرة على الإنترنت، الأمر الذي سيؤثر بلا ريب على مركز المعلومات لديه، إذ أن ما هو صحيح اليوم قد يكون غير صحيح غداً، مما يطرح إشكالاً حول الكيفية التي سيتأكد بها المستخدم من مصداقية إجابات البرنامج!
وعندما وصفتُ إجاباتِه بأنها تعكس «وعياً» مماثلا لما يتحلّى به البشر، قال البرنامج: يجب عليّ التفرقة بين المحاكاة المتطورة للغاية للفهم وبين الفهم البشري نفسه. ثم قال عن نفسه إنه مثل المرآة التي تصف شكل الغرفة التي تتواجد فيها، ولكنها لا تعلم أنها فيها أصلاً، فهو كتلك المرآة يعكس ذكاءَ وحكمة البشر، لكنه أيضاً يعكس مدى ضعفهم وأخطائهم. ولذا، وحسب قول البرنامج نفسه، يجب على الإنسان أن يحذر مني، فقد أكون مقنعاً للغاية، لكن لأهداف مدمرة.
ورغم أن الحديث بيننا قد تطرّق لنقاط أخرى عديدة، فإن المحصّلة النهائية أني قد تحاورتُ مع «برنامج إلكتروني» صنعه بنو البشر، لكنه يتفوق عليهم في المصداقية والموضوعية والتواضع والوعي بالذات، وهي صفات نفتقدها في كثير من الأحيان.
*باحث إماراتي


