أصبح اقتصاد المعرفة اليوم واحداً من أهم المسارات التي تتنافس فيها الدول العالمية لبناء القوة والتأثير، فالعالم لم يعد يقيس قوة الدول بما تملكه من موارد طبيعية أو قدرات صناعية فقط، بل بما تملكه من عقول وبحوث وابتكارات قادرة على التحول إلى منتجات وخدمات تغيِّر واقع المجتمع. ولهذا السبب نجد أن الدول المتقدمة تستثمر ما بين 5 في المئة و6 في المئة من دخلها القومي في البحث العلمي، لأنها تدرك أن كل درهم يُصرف في المعرفة يعود بعشرات أضعافه على الاقتصاد والمكانة الدولية.
وفي قلب هذا المشهد تأتي الجامعات والمراكز البحثية، لأنها المحرك الأساسي لاقتصاد المعرفة، فالجامعة لم تعد مكاناً للتدريس ومنح الشهادات فقط، بل أصبحت مصنعاً للأفكار الجديدة وحاضنة للمواهب ومنصة لإنتاج الابتكارات. ومن خلال البحث العلمي وتخريج باحثين وروّاد أعمال، تستطيع الجامعات أن تتحول إلى شريك استراتيجي في نهضة الدول، وترفع من قدرتها التنافسية عالمياً. ولا يمكن بأي حال من الأحوال التقليل من أهمية النشر في مجلات علمية ذات تأثير عالٍ أو تسجيل براءات اختراع، فهذه الإنجازات تعكس قوة الجامعة البحثية وتضعها على خريطة التميز العلمي.
وسيكون الأجمل والأكثر تأثيراً هو استثمار هذه البحوث وتحويلها إلى منتجات وخدمات واقعية تفيد المجتمع وتحقق عائداً اقتصادياً للدولة، عندها فقط ينتقل البحث العلمي من مرحلة الأوراق إلى مرحلة الإنجاز الملموس. وهنا يتحوّل العلم إلى قوة ناعمة، وهي القوة التي مارستها دول، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، فقد استطاعت أن تبني صورتها العالمية عبر التكنولوجيا والابتكار والمنتجات التي غزت العالم، من دون الحاجة إلى قوة عسكرية أو نفوذ سياسي. ولتحقيق هذا التحول في عالمنا العربي يجب أن تنتقل الجامعات من عقلية «انشر لتترقَّى»، إلى «ابتكر لتؤثِّر». ويجب تثقيف كل مكونات الجامعة بهذا التوجه: من الكادر الإداري إلى الأكاديمي، وصولاً إلى الطلبة، فثقافة ربط السوق بالعلم لا تزال جديدة نسبياً في منطقتنا، ولكن العالم يمضي في هذا الاتجاه بسرعة كبيرة. وربما أفضل مثال تاريخي هو المقارنة بين نيكولا تسلا وتوماس إديسون، فمن ناحية القيمة العلمية كان تسلا عبقريّاً، وأفكاره سبقت عصره، لكن من ناحية تحويل العلم إلى منتجات كان إديسون أكثر نجاحاً، فقد حصل على عدد كبير من براءات الاختراع وجني ثروات.
والدرس واضح: العلم مهم… لكن تسويقه وتطبيقه هما ما يصنعان الأثر. ومن هنا ظهرت في جامعات العالم وحدة مهمة تُعرف باسم مكتب نقل التكنولوجيا، وهو الجسر الذي يربط الابتكار الأكاديمي بالسوق.
وتعمل هذه الوحدة على حماية الملكية الفكرية بتسجيل براءات الاختراع وحفظ الحقوق، وتسويق الابتكارات عبر ترخيصها للشركات أو إنشاء شركات ناشئة، إضافة إلى دعم الباحثين وتقديم الاستشارات القانونية والتجارية وإعداد العقود. وتعمل الوحدة أيضاً على بناء شراكات مع الصناعة وربط الجامعة بالشركات وجذب التمويل والاستثمارات، لتؤدي النتيجة النهائية إلى تحقيق أثر مجتمعي واقتصادي حقيقي، من خلال عوائد مالية ومنتجات وخدمات تخدم المجتمع وترفع من جودة الحياة. إنّ مستقبل الدول لن يُصنع بالموارد الطبيعية، بل بالعقول والابتكار. والجامعة ليست مبنًى، بل مصنعاً لقوة ناعمة تبني اقتصاداً وترفع سمعة وطن، وتصنع مستقبلاً يليق بأبنائه.
الأستاذ الدكتور/ غانم كشواني
*أمين السر لجمعية الباحثين


