في عام 1486 صدر في أوروبا كتاب عنوانه «هراوة السحَرَة». ويُعتقد أنه بلغ من الانتشار إلى حدّ أن عدد النسخ المطبوعة منه تجاوزت عدد النسخ المطبوعة من الإنجيل. كان الأوروبيون في ذلك الوقت يؤمنون بالسحر، ويخافون السحَرَة. أملى التلازم بين الإيمان والخوف صناعةَ تاريخ أوروبا إلى حدّ بعيد.لم يكن العلم في ذلك الوقت قد توصل إلى معرفة الميكروبات، أي «الحشرات المجهرية» بالغة الصغر.
كان الإنسان يُصاب بالمرض من دون أن يُعرف له سبب مباشر. ولذا كانت الأمراض تُعتبر عملاً من أعمال السحر، وبالتالي كان المرضى - بحثاً عن الشفاء - يسعون وراء السحَرَة ويحمّلونهم المسؤوليةَ في الوقت ذاته. كذلك كانت كل مشكلة فردية أو عائلية أو اجتماعية تُعزى إلى السحَرَة الذين أصبحوا مصدرَ خوف المجتمع. المؤرخ البريطاني روبرت بيكام، رئيس اللجنة الملكية البريطانية للتاريخ، نشر كتاباً له عنوانه «الخوف: الوجه الآخر لتاريخ العالم».
وقد احتلّ الخوف من السحَرَة أجزاءَ عديدةً من الكتاب. حاول بعض سياسيي ذلك العصر توظيف خوف الناس من السحَرَة لتحقيق أهدافهم.. ولتمرير مصالحهم. حتى الانقسام الديني (الكاثوليكي – الإنجيلي) في القرن السادس عشر كان للسحَرَة فيه دور أساسي. فالحركة الإنجيلية الجديدة طالبت، مع انطلاقتها الأولى، بالقضاء على السحَرَة لتمكين الإنسان من الالتزام بالإيمان دون إكراه أو تخويف.. أو ابتزاز.
وهكذا برزت النظرية التي اعتُمدت في ذلك الوقت والتي تقول إن القضاء على السحَرَة أمر حتمي وضروري من أجل تمكين الحاكم (أو المرجع) من أن يوضّح للناس الجهةَ التي يقف إلى جانبها، أي هل هو مع الله أم مع الشيطان؟! إن الخوف في حدّ ذاته عامل عاطفي وأساسي، بل وتكويني في مسيرة الحياة الإنسانية. ولو أن أسلافنا القدامى لم يخافوا من السقوط من المرتفعات الصخرية مثلاً، ولو أنهم لم يخافوا من براثن الحيوانات المفترسة كالأسود والنمور.. ربما لم نكن نحن البشر موجودين اليوم. كان الخوف - ولا يزال - عاملا من عوامل البقاء والاستمرار.
إن الخوف مثلاً من الإشعاعات القاتلة هو الذي يحول حتى الآن دون استعمال السلاح النووي في الصراعات الدولية. وقد عزز تفجيرَا هيروشيما وناكازاكي في اليابان من هذه المشاعر المستمرة حتى اليوم. ويتجسّد ذلك في التزام الدول النووية، خوفاً منها على ذاتها بالدرجة الأولى، بعدم اللجوء إلى هذا السلاح.. رغم اتساع رقعة اختلافاتها وعمق حفرة خلافاتها. يقول روبرت باكام، مؤلف كتاب «الخوف: البديل الموازي لتاريخ العالم»، إن الخوف هو عملية ردّ فعل عصبي للبقاء على قيد الحياة. وهو ما تترجمه واقعياً اليوم العلاقات المحكومة بالانضباط (والخوف المتبادل) بين القوى النووية الكبرى. كان الإنسان يخاف من السحَرَة، ولا يزال يخاف منهم، لكن سحَرَة القرن الحادي والشعرين لم يعودوا أشباحاً.
إنهم العلماء النوويون الذين يقدمون للإنسانية قنبلةً جديدة هيدروجينية أشد فتكاً وأوسع دماراً. قصدتُ منذ سنوات مطعماً صغيراً في أحد الأحياء القديمة في مدينة استوكهولم عاصمة السويد. كنتُ خائفاً من السؤال عن اللحم الحلال. لكني تشجعتُ وسألتُ النادل، فأجابني بابتسامة وهو يقدّم إليَّ لائحةَ الطعام تعلوها العبارة التالية: «إنهم يصنعون كل يوم سلاحاً مدمراً جديداً.. نحن نقدّم طبقاً صحياً جديداً من الخضار».. وكان ذلك كافياً لتبديد مخاوفي.
*كاتب لبناني


