يواجه كلٌّ من «الجمهوريين» و«الديمقراطيين» معارضةً متزايدةً داخل صفوفهم مع انتقال تركيز وأولويات أحزابهم إلى انتخابات التجديد النصفي العام المقبل. ويخشى العديدُ من المؤيدين من أن قادتهم باتوا بعيدين عن واقع الحياة اليومية، وخاصةً فيما يتعلق بتكاليف المعيشة أو «القدرة على تحمل التكاليف». ويشمل ذلك ارتفاع أسعار الغذاء والكهرباء والرعاية الصحية.
تتعلق أخطر الخلافات داخل الحزب الجمهوري بالسياسة الاقتصادية والهجرة والرعاية الصحية والتعليم، بالإضافة إلى اتجاه سياسة ترامب الخارجية. ظاهرياً، يبدو أن معظم مؤيدي ترامب يتقبّلون حججه بفرض رسوم جمركية قاسية على الأصدقاء والخصوم على حد سواء. لكن تأثير الرسوم الجمركية، وخاصةً على الصين، كان كارثياً على العديد من المزارعين الأميركيين الذين يعتمدون على السوق الصينية لتصدير منتجاتهم الأساسية مثل فول الصويا. ورداً على الرسوم الجمركية، قاطعت الصين شراءَ فول الصويا الأميركي، وبدأت في استيراده من الأرجنتين. ومع ذلك، يعرض ترامب منحَ الأرجنتين قروضاً بقيمة 40 مليار دولار لأنه معجب بسياسات الرئيس خافيير ميلي. كما تعرّض القطاع الزراعي الأميركي لضربة قاسية بسبب فقدان عدد كبير من عمال الحقول، وكثير منهم من المهاجرين غير النظاميين الذين يقومون بالأعمال الشاقة خلال موسم الحصاد. وبدلاً من ذلك، يتم ترحيل هؤلاء العمال إلى بلدانهم الأصلية، ما أدى إلى تعفّن المحاصيل في الحقول، خاصةً في ولاية كاليفورنيا.
أما الانقسامات حول السياسة الخارجية فهي الأشد مرارة، لا سيما تلك المتعلقة باستعراض القوة العسكرية الأميركية في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا، وبشكل متزايد في أميركا الوسطى والجنوبية. لقد افترضت قاعدة ترامب، التي تُنادي بـ«جعل أميركا عظيمة مجدداً»، أن سياسة «أميركا أولاً» التي يتبعها ترامب ستعني تقليلَ التدخل العسكري في بؤر النزاع البعيدة. لكن العكس هو الذي حدث. يتحدث ترامب على الدوام عن خططه لإحلال السلام وإنهاء الصراعات طويلة الأمد في أوراسيا وأفريقيا. وفي الوقت نفسه لا يُظهر أيَّ قيود على استخدام القوات الأميركية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وقد تُؤدّي أحدث عملياته العسكرية ضد فنزويلا للحد من تجارة المخدرات إلى حرب. كما هدّد بالتدخل عسكرياً في نيجيريا لوقف الهجمات الإرهابية على المجتمعات المسيحية الكبيرة هناك.
 وبالنسبة لأكثر الحجج إثارةً للانقسام داخل حركة «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً»، فهي تتعلق بتزايد التصريحات المعادية للسامية من بعض مشاهير اليمين المتطرف، بمن فيهم المذيع السابق في قناة «فوكس نيوز»، تاكر كارلسون، والعنصري الأبيض نيك فوينتس، اللذين أدانا علناً نفوذَ إسرائيل واليهود في العالَم، بينما قلّلا من شأن جرائم ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية. وقد عبّر كارلسون علناً عن إعجابه بروسيا، وبرّر حربها في أوكرانيا.
أما الحزب الديمقراطي، فهو الآخر يعاني من انقسامات حادة بين أولئك الذين يقفون إلى جانب الفلسطينيين في حرب غزة، وأولئك الذين ما زالوا يؤيدون إسرائيل. لكن هناك أيضاً خلافات خطيرة داخل الحزب حول القضايا الثقافية. يعتقد الديمقراطيون المعتدلون أنهم خسروا الانتخابات الأخيرة لتجاهلهم أو التقليل من شأن أزمة عبور الحدود بشكل غير قانوني، ومشاكل الجريمة الخطيرة في العديد من المدن. وقد حدث رد فعل عنيف ضد الجناح اليساري المتطرف الذي يركّز بلا هوادة على قضايا التعددية الثقافية، والتنوع، والمساواة، والعِرق. وأكثر ما أثار القلق كان حوادث «ثقافة الإلغاء» في الجامعات، حين مُنع المتحدثون غير المرغوب فيهم، وغالباً من المحافظين، من إلقاء محاضراتهم أو مناقشة آرائهم أمام طلاب الجامعات.
وتجدر الإشارة إلى أن «زهران ممداني»، المسلم البالغ من العمر 34 عاماً، والذي سيتولى منصب عمدة نيويورك القادم، وهو اشتراكي راديكالي معروف، قلّل من أهمية القضايا الثقافية، وركّز بدلاً من ذلك على ارتفاع تكلفة المعيشة لسكان نيويورك العاديين الذين يجدون أنفسهم عاجزين عن تحقيق نفس مستويات المعيشة التي حققها آباؤهم. ويرى كثيرون أن «ظاهرة ممداني» وقضية «القدرة على تحمّل النفقات» ستكونان المحور الرئيسي لكلا الحزبين في الأشهر المقبلة.

 *مدير البرامج الاستراتيجية بمركز «ناشونال انترست» - واشنطن