يأتي الوعي الأمني التخصصي في المرافق الحيوية حيال التهديدات والمخاطر غير التقليدية على رأس المخاطر. فكيف نحمي ما لا ندرك أبعاده الواقعة في المنطقة الرمادية؟ وهي منطقة ضبابية تحتاج إلى منظومة تخطيط تختلف عن المعتاد. وفي المقام الثاني، يشكل التغير المناخي وإرهاب المناخ تحدياً غير مسبوق، بالإضافة إلى أن المنطقة تسجل منذ سنوات أعلى معدلات التبخر وأشد مستويات الجفاف، مع تصاعد وتيرة التهديدات الأمنية بوسائل رخيصة وفي غاية التطور في الوقت نفسه، وكل ذلك في ظل الاعتماد على مياه التحلية والمياه المعادة.

ومن جانب آخر، أغلب دول المنطقة في هذا السياق لها استراتيجيات تستهدف خفض الطلب على المياه، وزيادة إعادة استخدام المياه، ولكنها تستورد كل تقنياتها وآلياتها من الخارج، وكلما ارتفع الطلب تبعاً للزيادة السكانية والتوسع العمراني والصناعي، ومشاريع الذكاء الاصطناعي، مع قلة الموارد الطبيعية، ازداد ضغط الأمن المائي، مما يجعل التحلية هدفاً استراتيجياً مع البدائل والتبادلية التشغيلية التي وضعها مهندسون يفكرون بمنطق المهندس التشغيلي، وغياب المهندسين الأمنيين الوطنيين الذين يخططون للعمليات التشغيلية بالتزامن مع قراءات مشهد التهديدات والمخاطر الأمنية، وإلا كيف نفسر دخول أكثرية موظفي تلك المحطات بساعاتهم وهواتفهم الإلكترونية؟ والسيارات الواردة من دول معينة وتكنولوجيا معينة، وهو بيت القصيد عندما نتحدث عن الأمن الاستراتيجي للبقاء!
 محطات التحلية في الخليج تستخدم تقنيات متقدمة متعددة، من التناضح العكسي إلى التحلية الحرارية والأنظمة المساندة، ولكن هذا الاعتماد التقني يجعلها عرضة لأعطال مفاجئة في المضخات والأغشية، أو أنظمة الطاقة واضطراب إمداد الطاقة أو الوقود، واستنزاف أو زيادة تكلفة التشغيل والإجراءات التخفيفية جراء الطقس، الصيانة، الجريان البحري، والبنية التحتية للتحلية في الخليج وخاصة أن البنى التحتية معرضة للهجمات السيبرانية والتشويش الراديوي والنبضات الكهرومغناطيسية المحدودة دون سابق إنذار وبطرق غير مألوفة، وفي حادث لإحدى محطات التحلية الخليجية الكبرى تم اكتشاف برمجية خبيثة تستهدف نظام التحكم (SCADA) لمحطة التحلية مما تتسبب في إرباك كبير لها.
 والسؤال الجوهري هنا: هل من الممكن تعطيل منظومة التحلية عبر تشويش تقني أو هواتف العاملين؟ والجواب نعم ممكن، وعدم الربط بين التقنية والأمن الوطني ممثلاً في أمن البقاء هي فجوة لا بد من أن تسد، إلى جانب الربط بين منظومة الماء والطاقة والدفاع السيبراني، أي أن تشغيل التحلية يجب أن يشغل ضمن بنية تحتية رقمية وطنية محصنة، والتدرب على سيناريوهات «ساعة الصفر» في بيئة محاكاة لتحديد الثغرات قد يساهم بفعالية في تقليل عدم اليقين في تلك المنظومة، والتي تعد مسألة حياة أو موت للمواطن الخليجي، وعليه إنْ كل استثمار ذكي ليس فقط مشروعاً بيئياً أو تجارياً، بل استثمار مربح للغاية في أمن المنطقة؛ ولذلك لا بد من وجود مركز بحث وتفكير ودعم قرار خليجي مائي يعد الأكثر تطوراً في العالم، وبتقنيات مستقبلية وآليات عمل خلّاقة، وخاصةً أن الدراسات تشير إلى أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ترتفع حرارتها تقريباً بضعف المعدل العالمي، مع توقع زيادة تصل إلى 4 درجات مئوية في بعض المناطق بحلول منتصف القرن، مما يعني موجات حر أطول وتبخراً أعلى، وطلباً متصاعداً على المياه والطاقة في وقت واحد.
 ويصنف تقرير المخاطر العالمية للمنتدى الاقتصادي العالمي شح الموارد الطبيعية وفي مقدمتها المياه، ضمن أهم عشرة مخاطر تهدد العالم في العقد المقبل، مع توقّع تعرض 31% من الناتج الإجمالي العالمي لضغط مائي مرتفع بحلول 2050.
من هنا يتبلور مفهوم أمن البقاء المائي كطبقة جديدة داخل منظومة الأمن الوطني، لا يقل وزناً عن أمن الطاقة أو الأمن الغذائي، فالفشل في إدارة موارد المياه، أو توقف التحلية بسبب انقطاع الطاقة، أو الهجمات المدبرة أو الإهمال أو التخريب، قد يترجم بسرعة إلى شلل اقتصادي، واضطرابات اجتماعية، وانكشاف أمني واسع، خاصة في منطقة تعتمد بشكل شبه كامل على التحلية كما هو الحال في الخليج، وأهمية تسريع الانتقال من التحلية الحرارية إلى أغشية متقدمة تعمل بطاقة متجددة، مع الاستثمار في الجيل القادم من الجرافين وهي مادة أقوى من الفولاذ بـ 200 مرة و«MXenes» والأنظمة الشمسية البينية، ونشر شبكات لا مركزية من وحدات التحلية والتنقية الذكية في القرى والمدن الصغيرة والمناطق الحساسة لتقليل الاعتماد على عدد محدود من المحطات العملاقة، وبناء «منصة استخبارات مائية وطنية» تعتمد على الذكاء الاصطناعي لدمج بيانات المناخ والاستهلاك، والتحلية والمياه الجوفية في لوحة قيادة واحدة تغذي صانع القرار بإنذارات مبكرة وسيناريوهات حتى عام 2050 وما بعده.


*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات