كتاب «الحكمة» للدكتور جمال سند السويدي، ليس مجرّد مؤلَّف في الفكر السياسي، أو توثيق لمسار قائدين بارزين، بل هو نصّ حضاري يرصد لحظةَ استئناف الوعي العربي في أسمى تجلياته، حين تتحول القيادة إلى ضميرٍ إنسانيٍّ متّزن، يجمع بين الإرادة والعقل، بين الأصالة والبناء المؤسسي.
هذا الكتاب يضع أمامَ الأجيال الناشئة نموذجاً عملياً للقيادة الرشيدة التي تؤمن بأن نهضة الأوطان لا تُبنى على الانفعال، بل على الحكمة، وأن المجد الحقيقي للأمم لا يقاس بما تمتلك من موارد، بل بما تحسّن من قرارات. ويأتي هذا العمل في مرحلةٍ تتعطش فيها الإنسانيةُ إلى بوصلةٍ أخلاقية وسط ضباب المصالح وتضارب الرؤى، ليقدّم من خلال تجربتَي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وصاحب الجلالة الملك محمد السادس، ملك المملكة المغربية، مثالاً نادراً على كيف يمكن للقيم أن تكون أساسَ السياسة، وللرؤية أن تتحول إلى مشروع حضاريٍّ جامع. فالحكمة هنا منهج حياة، ورؤية في إدارة الدولة والمجتمع والإنسان.. تسير على خُطى قادةٍ سبقوا زمانَهم بإيمانهم الراسخ بالوطن وبالإنسان.ويأتي كتاب «الحكمة» في لحظةٍ يحتاج فيها العالَم إلى حكمة القائدين، بعدما سجّل المغفور لهما الملك الحسن الثاني والشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراهما، بصمتَهما التاريخيةَ في ترسيخ الدولة الوطنية، وصون الاستقرار في وجه المؤامرات التي استهدفت وحدةَ الكيان العربي وسلام المنطقة. كانا مثالين للقائد الذي يرى الدولةَ رسالةً لا مصلحةً، والإنسانَ أمانةً لا أداةً، فصمدا أمام الرياح التي عصفت بالعالم العربي في القرن العشرين، وتركَا بعدهما جيلاً يحمل البصيرةَ ذاتَها، والوعيَ ذاتَه أيضاً، ليواصل الشيخ محمد بن زايد والملك محمد السادس المسيرةَ في بناء السلم وترسيخ القيم، لا في محيطهما العربي فقط، بل في العالَم أجمع.
فقد كانت مبادرات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، من أبرز ما أعاد تعريفَ القيادة الأخلاقية في السياسة العالمية: من وثيقة الأخوّة الإنسانية التي جمعت رموز الديانات على أرض الإمارات، إلى جهوده في تحقيق السلام في إريتريا والصومال، مروراً بمساعيه الإنسانية في غزة والسودان ومختلف مناطق الأزمات، حيث تَحضر الإماراتُ كضميرٍ فاعلٍ يوازن بين الحكمة والقوة، وبين المبدأ والمصلحة. كما يتناول الكتابُ الحكمةَ المغربيةَ وقد تجسّدت في قيادة الملك محمد السادس الذي جعل من القرار الأممي رقم 2797 وما تبعه من اعترافٍ بمشروعية الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية منطلقاً للحوار السياسي بين مكوّنات المنطقة، مؤكداً التزامَ المغرب الدائم بالشرعية الدولية وبالحلول السلمية.
وكانت الإماراتُ أولَ دولة عربية تفتح قنصليةً في مدينة العيون، لتؤكد بذلك عمقَ الأخوّة الاستراتيجية التي تجمع البلدين، ولتُبرهن أن التضامن العربي يمكن أن يكون فعلاً واقعياً تتم ترجمته ميدانياً. إنّ «الحكمة» بهذا المعنى ليست توثيقاً للعلاقات المغربية الإماراتية فحسب، بل هي قراءة في فكر القيادة الذي يصنع الجسورَ لا الأسوار، ويؤمن بأن المستقبل العربي يُبنى بالوعي والحكمة. إنه كتاب يقدّم للأجيال الناشئة صورةَ القائد الذي يتحدّى الصعابَ بالصبر، ويصنع السلام بالحنكة، ويستشرف المستقبلَ بعينٍ مفتوحة على الإنسانية كلّها. مَن يقرأ هذا الكتاب يدرك أن الأمةَ التي تملك قادةً من طراز الشيخ محمد بن زايد والملك محمد السادس قادرة على العبور الآمن إلى المستقبل، لأنّ الحكمةَ التي يحملانها ليست أقوالاً تُروى، بل إرادةً تُمارَس، ومشروعاً يُترجَم على الأرض في التنمية والتعليم وبناء الإنسان، وفي جعل الإنسان العربي محورَ السياسة لا وسيلتها. تلك هي الرسالة الكبرى التي يحملها كتاب «الحكمة»: أن ننهض بالعقل، ونبني بالمحبّة، ونسير بخُطى ثابتة نحو مستقبلٍ عربيٍّ تتوحّد فيه الإرادة، وتنتصر فيه الحكمة.
*أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة


