على رغم أن مؤتمر «بيروت1» الذي انعقد الثلاثاء الماضي تحت عنوان «بيروت تنهض من جديد»، شكل تظاهرةً اقتصادية واستثمارية ضخمة بمشاركة عربية ودولية كثيفة، أوجدت مناخاً إيجابياً، واستعداداً كبيراً للاستثمار في لبنان والمساهمة في إعادة تعافيه المالي والاقتصادي، فقد لوحظ أن المتحدثين تجاوزوا العوائق الأمنية التي أكد وزير الاقتصاد ياسين جابر أنها تعرقل الاستثمارَ في لبنان، ومنها مشكلتا حصرية السلاح وسيادة الدولة، المطلوبتان لتأمين مناخ استثماري مواتٍ، فضلاً عن المخاوف من تجدد الحرب الإسرائيلية.

وهذا مع الأخذ في الاعتبار أن رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون الذي افتتح المؤتمر برعايته، أشار إلى أن الفرص الاستثمارية لا تغيب حتى خلال الأزمات.
وفي كلمته الافتتاحية، أكد الرئيس جوزيف عون البدءَ فعلياً بمسار إصلاحات حقيقية، ووصف اللقاءَ بأنه أكثر من مؤتمر اقتصادي، وبأنه بداية فصل جديد من نهضة لبنان عنوانه «الثقة والشراكة والفرص»، متوجهاً إلى المؤتمِرين بقوله: «إلى كل صديق، إلى كل مستثمر، إلى كل شريك محتمل، إن لبنان لا يطلب تعاطفاً، بل ثقةً.. لا ينتظر صدقةً، بل يقدّم فرصة. وجودكم هنا اليوم هو استثمار في الاستقرار، في الطاقات الشابة، في مستقبلٍ سيكون أفضل إذا سرنا فيه معاً».
وفي هذا السياق وصف وزير الاقتصاد عامر البساط اللقاءَ بأنه البداية وإعلان انطلاقة جديدة، ومسار جديد لاستعادة «الثقة»،  مستدركاً بالقول: «إننا ندرك صعوبة نقطة الانطلاق، وطريق التعافي سيكون صعباً وطويلا، إلا أن لبنان يمتلك القدرات، ونحن ملتزمون بإعادة بناء الدولة، ونريدها أن تكون ذات سيادة وتحمي الضعفاء».
أما حاكم مصرف لبنان، كريم سعيد، الذي دعا إلى «إعادة وصل لبنان برأس المال العالمي»، فأكد ضرورةَ فتح المجال أمام المصارف التجارية القادرة على البقاء في السوق بدلاً من إدخال مصارف جديدة، لافتاً إلى أن مشروع قانون الفجوة المالية سينجز قريباً، و«سنبلغه لصندوق النقد الدولي الذي يقوم بعمل رائع لحث لبنان عي تنفيذ الإصلاحات، وبدوره سيشجع على جذب الاستثمارات».
 ومن الطبيعي أن يناقش مجلس الوزراء هذا المشروع الذي يواجه اختلافات بين المسؤولين اللبنانيين أنفسهم، وكذلك مع صندوق النقد، خصوصاً حول توزيع المسؤوليات لتغطية الفجوة المالية المقدرة بنحو 80 مليار دولار بين الدولة اللبنانية ومصرف لبنان والمصارف التجارية.

وبما أنه من البدهيات في آليّات عمل اقتصاد السوق والمؤسّسات الرأسماليّة، أن يتحمّل أصحابُ الشركات أولى شرائح الخسائر، قبل أن تُحمَّل إلى أيّ فئة أخرى من الدائنين. وذلك عبر تخفيضها من «الأموال الخاصّة»، لذا يطالب الصندوق أن تشمل تغطية العجز «شطب رساميل المصارف». ولكن حاكم «المركزي» نقل إلى المصارف أنه سمع من ممثلي وزارة الخزانة الأميركية أنهم يرفضون مبدأ «الشطب»، لأن سيؤدي مباشرةً إلى إقفال كل حسابات المصارف اللبنانية لدى المصارف المراسلة، أي أنه لن يعود بإمكان المصارف العملَ إلا في السوق المحلية.

ويلاحظ أنه على الرغم من الحديث الرسمي عن استعادة الثقة وعوامل الاستقرار، فإن المصارف التجارية لم تخرج بعد من حالات التعثر المهددة بالإفلاس، حيث لا يزال الائتمان المصرفي في أدنى مستوياته، وهو أحد الشواهد الأساسية على أن القطاع «يعيش أسوأ حالاته». ووفق أرقام مصرف لبنان، فقد بلغت ودائع «الفريش» في نهاية يونيو الماضي 4.36 مليار دولار، لكن نصفها تقريباً غير قابل للسحب بحرية، لأنه مرتبط بقيود فرضها «المركزي». لذا تأتي أموال القروض من سيولة المصارف الخاصة بها، وهو مؤشر على ضعف الثقة بالقطاع المصرفي.
ويبدو أنه لا عودة لهذه الثقة قبل حل جذري للمشكلة الأساسية المتعلقة بالخسائر الضخمة في الميزانيات المصرفية، ومن ضمنها الودائع المجمدة، والدولارات التي تبخرت في فجوة الدَّين العام.


*كاتب لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية.