تواجه الحكومة العراقية المرتقبة، والتي قد يستغرق تشكيلُها بعضَ الوقت، بسبب تنوع مطالب الأحزاب وتعددها، سلسلةَ تحديات تنتظرها، وأهمها تحديان: الأول أمني، مع استمرار وجود فصائل مسلحة، لاسيما بعد دخول ممثليها المجلسَ النيابي بنحو 80 نائباً، وهو ما قد يعرقل السعيَ لجذب الاستثمارات وتمويل إعادة الإعمار.
أما التحدي الثاني فهو إنجاز الموازنة العامة للسنة المقبلة، بما تحمل من عجز مالي، على الرغم من اعتمادها على إيرادات النفط بنسبة 92 في المئة، مع العلم بأن العراق يعد ثاني دولة مصدرة في منظمة «أوبك» بعد المملكة العربية السعودية. ويبدو أن الأشهر الأولى من عمر الحكومة المقبلة بعد تشكيلها، ستكون الأكثر صعوبةً وحساسية، وسط ضغوط أميركية متصاعدة، وتحديات إقليمية، واستحقاقات مالية ملحة لا تحتمل التأجيل. كما أن واشنطن، من خلال شروطها على الحكومة الحالية برئاسة محمد شياع السوداني (حكومة تصريف الأعمال)، تؤكد أنه لا مستقبل للفصائل المسلحة في العراق، وتحذر في الوقت نفسه من إشراك هذه الفصائل في الحكومات المقبلة.
وقد سبق للسوداني أن أطلق استراتيجية لحصر السلاح بيد الدولة، وبدعم دولي.. لكن هل تستطيع الحكومة المقبلة تنفيذ هذه «الاستراتيجية»؟
أما التحدي الكبير الثاني الذي ستواجهه الحكومة المقبلة، فيكمن في إنجاز موازنة الدولة للعام 2026، والتي تخلفت حكومة السوداني عن إنجازها في الموعد القانوني في أكتوبر الماضي، وإحالتها بمشروع قانون إلى مجلس النواب للتصديق عليه وإقراره.
وهذه الموازنة يجب أن لا تكون مجرد أرقام على الورق، بل تاريخ مالي جديد، يكتب في لحظة سياسية واقتصادية واجتماعية ضاغطة، بل أن تكون اختباراً لقدرة التحالفات السياسية على التفاهم، وقدرة الحكومة العتيدة على الإمساك بخيوط التوازن بين متطلبات الاقتصاد ومتطلبات المجتمع، وبين ضغوط الكتل السياسية، وضرورات الإصلاح المالي، وذلك بالتنسيق مع صندوق النقد الدولي، تمهيداً لفتح باب الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وإعادة الثقة تدريجياً بين الدولة والمجتمع.
لقد بدأت وزارة المالية العراقية منذ أواخر أكتوبر الماضي إعدادَ الموازنة العامة الاتحادية للعام المقبل، وحددت سعر برميل النفط بـ60 دولاراً، وهو أدنى من السعر المعتمد في موازنة 2025 البالغ 70 دولاراً. واستناداً إلى توقعات بتراجع الأسعار العالمية، يرى بعض الخبراء اعتماد سعر أقل تحفظاً بين 40 و45 دولاراً للبرميل، بينما يشير صندوق النقد الدولي إلى أن تحقيق مصلحة العراق تكمن في ارتفاع سعر البرميل إلى نحو 84 دولاراً لمعادلة الموازنة، وذلك وسط تراجع نمو القطاع غير النفطي من 13.8 في المئة عام 2023 إلى 2.5 في المئة عام 2024. وهذا مع العلم بأن عائدات النفط مرشحة للتراجع من 99.2 مليار دولار العام الماضي إلى 84.2 مليار دولار العام الحالي، ثم إلى 79.2 ملياراً العام المقبل.
وعلى الرغم من ذلك، فقد رجح المستشار المالي لرئيس الوزراء مظهر محمد صالح أن يبقى العجز في موازنة العام المقبل، ضمن المستويات السابقة بنحو 64 تريليون دينار عراقي (48 مليار دولار)، في ظل سقف إنفاقي لم يتعد متوسطه 160 تريليون دينار سنوياً، ما يتطلب اللجوء إلى الاقتراض، ومن ثم ارتفاع الدين العام البالغ نحو 150 مليار دولار، منه فقط 43 مليار دولار دين خارجي، و107 مليارات دين داخلي معظمه يعود إلى مصارف القطاع العام. وبما أن الاقتصاد العراقي لا يزال عرضةً لتقلبات أسعار النفط، فقد يواجه اختلالات تحد من قدرته على النمو المستدام.
*كاتب لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية


