منذ أن وصل إلى البيت الأبيض في فترة رئاسته الثانية، تعهّد رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب بأنه سيعمل على جعل «أميركا عظيمة مرة أخرى»، وبأنه سيحقق لها مصالحها في كل بقعة من بقاع الأرض. ومن المناطق التي يتم التركيز عليها حالياً قارة أميركا الجنوبية، حيث تعمل الإدارة الأميركية على إعادة صياغة وترتيب علاقاتها مع معظم دولها. ويتم ذلك عن طريق إعادة النظر في طبيعة العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والتجارية مع العديد من هذه الدول. وفي إطار ذلك تم منع الهجرة غير الشرعية التي كانت تتدفق منها عبر الحدود البرية وأعيد الملايين من المهاجرين غير الشرعيين بالترحيل القسري، ويجري العمل أيضاً على مكافحة تهريب المخدرات القادمة من بعض هذه الدول. من أهم دول أميركا الجنوبية التي تتم إعادة صياغة العلاقات معها، هي فنزويلا التي ترى الإدارة الأميركية بأن حجماً كبيراً من تهريب المخدرات يأتي عن طريقها.

وبعيداً عن الحكم على صحة أو عدم صحة هذه الاتهامات، قامت الولايات المتحدة بتحريك قطع من أساطيلها البحرية التي تحمل مشاة البحرية لكي تتخذ وضعاً هجومياً مقابل السواحل الفنزويلية، ما شكّل وضعاً متوتراً عالي الخطورة في المنطقة. ويتم تفسير هذا التحرك بأنه بغرض الضغط على الحكومة الفنزويلية لأسباب شتى إلى جانب ما يتم طرحه حول موضوع تهريب المخدرات. لكن توتر العلاقات بين الدولتين ليس بالأمر المستجد، لكنه قائم منذ زمن طويل يعود إلى عهد الرئيس الفنزويلي الراحل هوجو شافيز الذي كان حليفاً لكوبا في عهد فيدل كاسترو وللمعسكر الاشتراكي في مواجهة الولايات المتحدة.

ومنذ ذلك الوقت تتخذ فنزويلا خطاً بعيداً عن مصالح الولايات المتحدة على الصعيد الاقتصادي، ووفقاً لفكر سياسي واقتصادي واجتماعي خاص، تتبنى الدولة الفنزويلية برامج إصلاح اقتصادية واجتماعية تسير عليها منذ بداية ثمانينيات القرن العشرين، لتصحيح العجز في موازينها التجارية، التي تعاني من تراجعات وخسائر في الوظائف بقطاعات صناعية مرتبطة بالتصدير، بالإضافة إلى تلك المرتبطة بتصدير النفط بسبب عدم استقرار الأسعار في الأسواق العالمية. وبعد انخفاض سعر صرف العملة الفنزويلية مقابل الدولار الأميركي بشكل متواصل في الآونة الأخيرة، رغم أن فنزويلا دولة مصدرة للنفط ازداد عدد المهاجرين غير الشرعيين إلى الولايات المتحدة الباحثين عن عمل. وعليه أصبح واضحاً بأن ما يحدث في فنزويلا يؤثر على مصالح الولايات المتحدة سلباً من زاويتين: الاقتصاد والأمن الوطني.

ورغم التوتر الشديد بين الدولتين حالياً، فإن التجارة البينية بينهما مهمة جداً ولها مدلولاتها السياسية والاجتماعية لكلا الطرفين، فالبُنى الاقتصادية في كلا القطرين صناعياً وزراعياً تتأثر بحركة التجارة وحركة البشر بينهما. لذلك، فإن ما يقال ويتم ترديده بالنسبة لموضوع تهريب المخدرات وتدفقها إلى داخل الولايات المتحدة، إن هو إلا مسألة سطحية تخفي وراءها أهمية سياسية ودبلوماسية وقضايا اقتصادية وتجارية لا بد وأن تعود إلى طبيعتها العادية من وجهة نظر الولايات المتحدة، في حين أن فنزويلا متمنعة عن ذلك، وترغب في إعادة صياغتها لكي تتلاءم بشكل أكبر مع مصالحها الوطنية العليا. وتعود وجهة نظرنا هذه إلى ما نقرأه من مواقف الولايات المتحدة تجاه العديد من المسائل التي نرى بأنه مهيمن عليها من قبل فكر اقتصادي وتجاري يتم التركيز عليها حالياً تركيز شديداً بعيداً عن السياسة والدبلوماسية المجردة.

*كاتب إماراتي