في إطار رؤية دولة الإمارات العربية المتحدة الرامية إلى تعزيز رأس المال البشري باعتباره الركيزة الأساسية لعملية التنمية، أطلقت وزارة الموارد البشرية والتوطين، ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وبرنامج «نافس»، المنصةَ الوطنية للتدريب العملي لطلبة التعليم العالي في الدولة، في خطوة تعكس التكامل المؤسسي والريادة في ربط التعليم بالاقتصاد الوطني، وترجمة المعرفة الأكاديمية إلى خبرة عملية تسهم في إعداد جيل أكثر استعداداً لمتطلبات المستقبل.
وتمثل المنصة الجديدة جسراً بين مقاعد الدراسة وسوق العمل، إذ تتيح لطلبة الجامعات فرصة تطبيق معارفهم النظرية في بيئات عملية حقيقية، بما يعزز جاهزيتهم المهنية ويؤهلهم للمنافسة في القطاعات الحيوية. إنها مبادرة تؤكد أن التعليم في الإمارات لم يعد مجرد تحصيلٍ أكاديمي، بل منظومة متكاملة تُصقل فيها الكفاءات وتُبنى من خلالها القدرات، ضمن مسار وطني يسعى إلى تحويل كل طالب إلى قصة نجاح في خدمة الوطن.
وتجسيداً لأهمية تمكين الكوادر الوطنية وربط التعليم بسوق العمل، تُظهر الإحصاءات الحديثة أن جهود برنامج «نافس» في دعم توظيف المواطنين في القطاع الخاص تسير بخطى ثابتة نحو تحقيق أهدافها الوطنية. فقد أعلنت وزارة الموارد البشرية والتوطين أن عدد المواطنين العاملين في القطاع الخاص قد تجاوز 152 ألف موظف يعملون في أكثر من 29 ألف شركة في نهاية يونيو 2025، في مؤشر يعكس تنامي حضور الكفاءات الوطنية في قطاعات حيوية كخدمات الأعمال والتمويل والتجارة والصناعة.
كما تشير بيانات مجلس تنافسية الكوادر الإماراتية إلى أن نحو 134 ألف مواطن من هؤلاء قد التحقوا بسوق العمل في القطاع الخاص منذ إطلاق برنامج «نافس» عام 2021، فيما استفاد آلاف الطلبة والمتدربين من برامج التدريب والتطوير المهني التي يوفرها البرنامج، بما يبرز الدور الحيوي لهذه المبادرات في سد الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل وتعزيز مسار التوطين النوعي.
وتعكس هذه الخطوة رؤيةَ الإمارات في بناء منظومة تعليمية مرنة تستجيب لتغيرات سوق العمل، وتستشرف وظائف المستقبل. فهي لا تقتصر على التدريب بوصفه متطلباً أكاديمياً، بل تتعامل معه كأداة استراتيجية لتكوين الخبرات، وقياس الكفاءات، وصناعة الفرص، من خلال قاعدة بيانات وطنية ذكية تجمع الجامعات وجهات التدريب ضمن إطار موحد يضمن جودة التجربة ومخرجاتها.
وما يضفي على المنصة بعداً نوعياً هو توظيفها أحدث تقنيات التحول الرقمي في إدارة العملية التدريبية. فآليات التسجيل، والمتابعة، والتقييم، تتم عبر نظام إلكتروني متكامل يتيح للجهات المعنية تتبع أداء الطلبة وتحديد مجالات التطوير، كما يوفّر للقطاعين الحكومي والخاص قاعدة بيانات دقيقة تساعد في استقطاب الكفاءات الوطنية وتوظيفها وفق احتياجات السوق. وهكذا تتحول المنصة إلى نموذج يجمع بين التعليم والتقنية والتوطين في منظومة واحدة متكاملة.
وتنسجم هذه المبادرة مع فلسفة دولة الإمارات القائمة على الاستثمار في الإنسان قبل المكان، انطلاقاً من إيمان القيادة الرشيدة بأن بناء القدرات البشرية هو الركيزة الأساسية للتنمية المستدامة. فالمنصة تسهم في تمكين الشباب بالمهارات المطلوبة للمستقبل، وتدعم توجهات الدولة في تعزيز تنافسية رأس المال البشري وتحقيق مستهدفات «نحن الإمارات 2031» و«مئوية الإمارات 2071»، لتظل الكوادر الوطنية في قلب معادلة التنمية.
ومن جانب آخر، تمثل المنصة انعكاساً لمفهوم الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص في تأهيل الطلبة، إذ تفتح آفاقاً واسعة للتعاون بين الجامعات والمؤسسات الوطنية لتبادل الخبرات وتوفير فرص تدريب نوعية. كما تعزز ثقافة العمل والإنتاج لدى الطلبة، وتربط طموحاتهم الأكاديمية باحتياجات المجتمع، في نموذج يرسّخ قيم العطاء والانتماء والمسؤولية الوطنية.
إن إطلاق «المنصة الوطنية للتدريب العملي لطلبة التعليم العالي في الدولة» لا يعدّ مجرد مشروع تقني أو خطوة إدارية، بل هو مشروع حضاري يعيد تعريف دور التعليم في بناء المستقبل. وتؤكد هذه الخطوة من جديد أن الإمارات تسير بخطى واثقة نحو ترسيخ نموذجها التنموي القائم على تمكين الإنسان بالعلم والعمل، لتبقى في طليعة الدول التي تجعل من المعرفة طريقاً للريادة، ومن شبابها طاقةً لا تنضب في مسيرة البناء والتقدم.


