تحتل قضية التوطين لدى متخذ القرار في دولة الإمارات العربية المتحدة مرتبةً متقدمةً في الأولويات الوطنية في وقت تعددت فيه المبادرات والقرارات الهادفة إلى إشراك قطاعات العمل في الدولة في إجراءات التوطين.

وكان ولا يزال الهدف الاستراتيجي لتلك الجهود هو ضمان حياة كريمة للمواطن الإماراتي، وتأمين مصدر دخل يساعده على نفقات تلك الحياة. وبالرغم من أهمية تلك الجهود، وما أفضت إليه من نتائج ملموسة ومهمة للغاية، فقد تم الإعلان عن برنامج «نافس» من خلال تأسيس مجلس تنافسية الكوادر الإماراتية في عام 2021. ويهدف المجلس إلى تعزيز التوطين في القطاع الخاص من خلال الاضطلاع بوضع الرؤى والاستراتيجيات والسياسات اللازمة لتمكين الإماراتيين من النجاح والازدهار في وظائف مستقبلية تنافسية تسهم في تحفيز النمو الاقتصادي للدولة. ومن خلال تجربتي الشخصية، ومعاصرتي العديد من جهود ومشاريع التوطين، أجزم بأن «نافس» على المسار الصحيح لتحقيق أهداف القيادة الرشيدة.

والسبب وراء ذلك، في رأيي، يتمثل في ثلاثة جوانب رئيسة هي بمثابة تطورات جذرية في مجتمع دولة الإمارات. الجانب الأول هو التركيز على الهيكل الصحيح، والذي يربط القطاع الحكومي بسوق العمل والتعليم العالي. تلك العلاقة المفقودة في العديد من بلدان العالم، والتي نجحت حكومة دولة الإمارات نجاحاً باهراً في تأسيسها وترسيخها. والمقصود هنا بإيجاز هو مدى فعالية الحكومة في ضمان ملاءمة مخرجات التعليم العالي مع احتياجات سوق العمل، إضافة إلى تهيئة فرص العمل المناسبة للخريجين. وذلك ما تحقق بالفعل من خلال برنامج «نافس»، والأرقام دليل شاهد على ذلك. فخلال ملتقى «نافس» السنوي الأخير أعلن مجلس تنافسية الكوادر الإماراتية عن تحقيق معدلات قياسية في توظيف المواطنين في القطاع الخاص خلال فترة زمنية قصيرة.

وكان إجمالي المستهدفين في القطاع الخاص خلال الأعوام الخمسة الأولى 170 ألف مواطن، وقد نجح المجلس خلال 4 أعوام في توظيف 157 ألف مواطن في 30 ألف منشأة خاصة، وذلك بنسبة 92% من المستهدف. كما ارتفع معدل انجذاب الخريجين إلى القطاع الخاص من 15% إلى 58% وهي نسبة عالية بكافة المعايير. وإلى ذلك فقد استفاد 24 ألف طفل من أبناء 132 ألف مواطن من برنامج «علاوة الأبناء» ضمن «نافس»، الأمر الذي يعكس مدى الاستقرار المجتمعي الذي يعيشه هؤلاء المواطنين.والجانب الثاني الذي ساهم في نجاح برنامج «نافس» هو نمو اقتصاد الدولة وبلوغه مرحلة من النضج والاستقرار والتطور جعله يتلقى القرار الحكومي بشأن إطلاق برنامج «نافس» بعقلانية واستيعاب. والنضج هنا يُقصد به بلوغ القطاع الخاص مستوى الاندماج في المجتمع والشعور بمدى المسؤولية المجتمعية الملقاة على عاتقه، والتي تترتب عليها المساهمةُ في إنجاح المبادرات الوطنية كافة باعتباره، أي القطاع الخاص نفسه، شريكاً استراتيجياً.

والجانب الثالث الذي ساهم في إنجاح مبادرة «نافس» هو ما بلغه المواطن الإماراتي نفسه من إحساس عميق بالمسؤولية إزاء المساهمة في تنمية الوطن في قطاعات العمل كافة، وليس فقط القطاع الحكومي الذي كان بؤرة تركز الباحثين عن عمل طوال العقود الماضية. ولذا فإن برنامج «نافس» هو لبنة جديدة في بناء المواطن الإماراتي القوي المتماسك المؤمن بأهمية العطاء في مجالات العمل كافة على أرض الوطن.

*باحث إماراتي