تقترب اليابان من منعطف استراتيجي غير مسبوق في تاريخها ما بعد الحرب. فعلى مدى ثمانية عقود تقريباً، تشكّلت الهوية الوطنية والنظام الدستوري والوضع الأمني للبلاد بفعل صدمة الهزيمة في الحرب العالمية الثانية، وقبل كل شيء، بفعل الدمار الذري الذي لحق بمدينتَي هيروشيما وناجازاكي.
وتجسّد هذا التوجّه في دستور عام 1946 الذي صيغ تحت احتلال الحلفاء. إذ تنص المادة التاسعة على نبذ الحرب بوصفها حقاً سيادياً، وتفرض قيوداً صارمة على الطموحات العسكرية لليابان. وخلال الحرب الباردة، استند هذا الترتيب إلى ركيزتين أساسيتين: تركيز اليابان على التعافي الاقتصادي والنمو، وافتراض أن الولايات المتحدة ستوفّر ضماناً أمنياً لا لبس فيه، بما في ذلك الردع النووي الممتد.
لكن اليوم، بدا أن أُسس ذلك الاتفاق آخذة في التآكل. فقد تغيّرت البيئة الاستراتيجية لليابان بشكل ملحوظ، فيما تراجعت الثقة في ديمومة الحماية الأميركية.
والمحرّك الأكثر إلحاحاً لهذا التحوّل هو صعود الصين كقوة عسكرية، حيث أدى التوسع السريع الذي حققته بكين في قواتها البحرية، وترسانتها الصاروخية، وقدراتها الجوية، إلى تغيير موازين القوى في شرق آسيا.
ويُفاقم هذا التحدي بروزُ كوريا الشمالية كدولة تمتلك أسلحةً نووية. فالتقدم في تكنولوجيا الصواريخ لدى بيونغ يانغ، وتكرار استعراضاتها ذات الطابع الدعائي، يبرزان حدودَ الدبلوماسية والعقوبات. ومن وجهة نظر طوكيو، يشمل طيف التهديدات الإقليمية الآن مخاطر تقليدية ونووية كانت غائبة إلى حد كبير خلال فترة ما بعد الحرب.
وفي الوقت نفسه، أصبح الغموض المحيط بالولايات المتحدة متغيراً استراتيجياً بحد ذاته. فقد أثارت نزعة تقليص الإنفاق التي برزت خلال إدارة دونالد ترامب، من تشكيكٍ في التحالفات، ودبلوماسية قائمة على المصالح، وتشكيك صريح في الالتزامات الدفاعية، افتراضاتٍ راسخةً في اليابان. وحتى إن أعادت إداراتٌ لاحقةٌ التأكيدَ على روابط التحالف، فإن الدرس الذي استخلصته طوكيو هو أن الضمانات الأميركية تبقى رهناً بديناميات سياسية داخلية لا تتحكم فيها اليابان.
وقد جاء رد اليابان حذراً، ولكنه حاسم. فقد ارتفع الإنفاق الدفاعي بشكل حاد، وتجري إعادة تقييم المحظورات الراسخة المتعلقة بالقدرات العسكرية. وتسعى طوكيو إلى امتلاك قدرات للضربات المضادة، وتعزيز الدفاعات الصاروخية، وتوسيع التعاون الأمني مع شركاء آخرين غير الولايات المتحدة.
ويزيد أمن الطاقة من تعقيد حسابات اليابان. فالبلاد لا تزال تعتمد بشكل كبير على واردات النفط والغاز والمواد الخام. ولذا، برزت الطاقة النووية مجدداً كعنصرٍ حاسمٍ في استراتيجية الطاقة اليابانية، رغم المعارضة الشعبية التي أعقبت كارثة فوكوشيما.
وأدى هذا التقارب بين الضغوط العسكرية والتحالفية وضغوط الطاقة إلى إعادة فتح أكثر المسائل حساسية على الإطلاق: علاقة اليابان بالطاقة النووية. فما يزال «النفور النووي» الذي ترسخ بعد الحرب قوياً، ومتجذراً في الذاكرة التاريخية والرأي العام. ومع ذلك، فقد تحول النقاش الاستراتيجي من الرفض القاطع إلى نقاش مشروط. وتمتلك اليابان التطور التكنولوجي والقدرة الصناعية اللازمين لتصبح دولةً نوويةً في فترة زمنية قصيرة نسبياً إذا ما اختارت ذلك.
ويبقى ما إذا كانت اليابان ستتجاوز هذا العتبة أمراً غير محسوم. ويبرِز مفترقُ الطرق الاستراتيجي الذي تواجهه اليابان حقيقةً أوسع في السياسة الدولية: عندما تضعف الضمانات الأمنية وتتغير موازين القوى الإقليمية، تتعرض حتى الأعراف الأكثر رسوخاً للضغط.
*مدير البرامج الاستراتيجية بمركز «ناشونال انترست» - واشنطن


