في العام 2020 عاش اللبنانيون على أمل تحقيق ما أعلنه رئيس الجمهورية حينذاك ميشال عون بدخول لبنان نادي الدول المنتجة للنفط، مع احتمال وجود الغاز في البلوك رقم 4 في منطقة البترون البحرية شمال لبنان، والذي منحت الحكومةُ التزام تنفيذه لتحالف ثلاث شركات بقيادة «توتال» الفرنسية. لكن بموجب نتائج حفر البئر الأول، أعلن تحالف الشركات عدم وجود كميات تجارية في تلك البقعة. وبعد ثلاث سنوات، تجددت الآمال، لكن بحذر، مع بدء الحفر في البلوك رقم 9 في الجنوب، لتأتي النتيجة مخيبةً للآمال أيضاً، وبالحجة ذاتها، أي عدم وجود كميات تجارية.
وعلى الرغم من خيبات الأمل في التجربتين، فقد وقّعت الحكومةُ برئاسة نواف سلام، السبت الماضي، اتفاقيةً مع التحالف نفسه بقيادة «توتال» لتنفيذ استكشاف الغاز في البلوك رقم 8 في جنوب لبنان، ولكن هذه المرة الآمال محفوفة بالمخاطر مع استمرار التوترات «الجيوسياسية»، والاضطرابات الأمنية، واحتلال إسرائيل أراض واسعة.. ما يجعل البيئة الاستثمارية ذات مخاطر عالية. فهل يستطيع التحالفُ العملَ في أجواء أمنية غير مستقرة؟
بموجب الاتفاقية، سيقوم التحالف ب«إجراء مسح زلزالي ثلاثي الأبعاد للمنطقة»، كما أكّد وزير الطاقة الذي شرح أنّ «عملية حفر البئر الأولى تسبقها 3 مراحل: الأولى إطلاق دفتر شروط لتلزيم المسح الزلزالي، والثانية معالجة المعلومات، والثالثة تفسير المعلومات، وعلى أساسها يتّخذ القرار بإجرا الحفر أو عدمه». وهذا علماً بأنّ مرحلة معالجة المعلومات تتضمّن جمعها وتنظيمها وتحليلها، ويلي ذلك تفسيرها، أي معالجة مضمونها واستخلاص النتائج منها. وبحسب الوزير اللبناني، فإنّ «المسح يتيح تحسين المعرفة الجيولوجية والتقنية للبلوك 8 وتقييم الفرص المتاحة». وهذا المسار الذي يسبق اتخاذ قرار الحفر أو عدمه «يفترض به أن لا يتخطّى الثلاث سنوات كحدّ أقصى».ويُستدل من ذلك أن عملية حفر البئر الأول لن تبدأ قبل عام 2029، في حال كانت النتائج إيجابية. ثم ينتظر اللبنانيون إمكانيةَ تحقيق آمالهم بالمزيد من السنوات لبدء عملية الاستثمار، والتأكد من وجود الغاز بكميات تجارية، تمهيداً لكسب الموارد.
واللافت أن تحالف «توتال» مع شركتَي «إيني» الإيطالية و«قطر للطاقة»، هو العرض الوحيد الذي قُدم لوزارة الطاقة اللبنانية، في جولتَي التراخيص الأولى والثانية اللتين أطلقتهما، وذلك من بين 40 شركة عالمية تم تأهيلها، مما اضطرها إلى منح هذا التحالف امتيازَ إجراء المسح الزلزالي والحفر لاكتشاف الغاز في البلوك رقم 8، مع علمها بالإخفاقات الفنية والإدارية التي حصلت في البلوك رقم 9، وفق خبراء متخصصين اطلعوا على نتائج الحفر في البئر الاستكشافية، وأهمها:
1- البلوك رقم 9 من أكثر البلوكات اللبنانية احتمالا لوجود اكتشاف تجاري فيه، نظراً لقربه من الحقول المكتشفة في المياه الفلسطينية المحتلة، وتشابه تركيبه مع تركيبها الجيولوجي، وكان على «توتال» أن تحفر بئراً ثانية.
2- تَبين وجود سوء تخطيط جيولوجي واضح من قبل الشركة، لعدم أخذ تأثير الفوالق التكتونية في الاعتبار، رغم توفر مؤشرات مماثلة في حقل «كاريش» المجاور.
3- توقف عمليات الحفر مبكراً عند عمق 3905 أمتار، بدلا من العمق المخطط له 4440 متراً، ما حرم المشروعَ من استكشاف الطبقات الأعمق ذات الإمكانات المحتملة.
4- تأخير الشركة في تسليم تقرير نهاية حفر البئر 729 يوماً بعد وقف أعمال الحفر، رغم أن المهلة القانونية القصوى 180يوماً، ما حرم الدولةَ اللبنانية من بيانات حيوية لاتخاذ قرارات مستنيرة في الجولات المقبلة من التراخيص.
*كاتب لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية


