في النقاش بين المتكلمين المسلمين قديماً حول مسائل القِيم كان هناك مَنْ قدّم أخلاق العدل، وهناك مَن قدّم أخلاق العمل أو المسؤولية. وواضحٌ أنّ التقديم الأول هو تقديمٌ اعتقادي ونظري، بينما التقديم الثاني هو تقديمٌ عملي فيما صار يُعرف – مقترناً بالإيمان - بالعمل الصالح. والواقع أنه لا ينبغي الفصلُ بينهما لأن أخلاق الاعتقاد هي أخلاق الإيمان، ولا فهم للعمل الصالح إلاّ إذا كان أساسُهُ الاعتقاد. ولذا فإنّ التسديد في العمل بحيث يمكن وصفه بأنه صالح، لا ينضبط إلاّ إذا كان الاعتقاد أو الإيمان أساساً له.
وهكذا فإنّ أخلاق الإيمان أو الاقتناع كما تتصل بالعدل، تتصل أكثر بالرحمة، فقد جاء في القرآن الكريم: «كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ». وفي الأمرين، العدل والرحمة، هناك جانبٌ عملي يتصل بالأعمال الإنسانية. فكما يجب على المرء في تصرفاته أن يكون عادلاً، ينبغي بالدرجة الأولى أن يكون راحماً أو تُحرِّكه دوافع وأخلاق الرحمة ذات الأصل الاعتقادي الإلهي والمآلات الإنسانية.
فما علاقة العدل بالرحمة على المستوى العملي والإنساني؟ كلتا القيمتين كما تتصلان بالمسألة الإيمانية، وهي العلاقةُ بين الله وعباده، تتصلان كذلك بالتصرفات الإنسانية بين الأفراد والجماعات. في الجانب الإيماني تظل النية ودوافعها هي الأساس، أما في الجانب العملي فتبدو ظاهرةً للعيان يستطيع كل مُشاهد أو مُراقبٍ الحكمَ عليها. وهكذا في حين يختلف الوصف بالعدل من حالةٍ إلى حالة، فإنّ الوصف بالرحمة ليس له غير تأويل واحد.
واستناداً إلى النتائج المشاهَدة في هذا العالم ظهر نتيجة ذلك لاهوتان أو اعتقادان بالنظر للمآلات: لاهوت العدل، ولاهوت الرحمة والفضل. وإذا كان الاعتقاد الأول تبدو نتائجه في أعمال القضاة والحكام، فإنّ الثاني تبدو نتائجه في علاقات الناس بعضهم ببعض، واستناداً إليه نشأت مؤسسات الصدقات وأعمال الخير والتضامُن بين الناس. ولنتأمل قوله تعالى: «وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ». فالتعاون في أعمال البر والتقوى يدخل بالطبع في أخلاق الرحمة والفضل.
إنّ الرحمة في التعامل بين الناس فضيلة كبرى، وكذلك العدالة. فهل هو تنازُعٌ في القيم أم بين القيم؟ إنّ الذين يقولون بنسبية الأخلاق، يذهبون إلى أنّ الأمر يختلف من حالةٍ إلى حالة، فقد يُستحسن العدل في حالة، ويُستحسنُ التراحُمُ في حالةٍ أُخرى. بينما يذهب القائلون بمطلقية الأخلاق إلى أنّ العدل درجة، لكنّ الرحمة والتعاطف حتى في الأنظمة القانونية تقع في درجةٍ أعلى. لكنّ هؤلاء يقولون أيضاً إنّ أنظمة العدالة لكي تظلَّ إنسانية ينبغي أن تتسم بالتعاطف والتضامن والرحمة، أو أنّ القانون ينبغي أن يكون ذا أصول أخلاقية لكي يُحسَّ الناسُ بالطمأنينة والثقة على اختلاف فئاتهم.
إن الأحداث والمشكلات الكثيرة والعواصف العالمية، والتي ما عادت النظم الدولية تتحكم فيها أو تضبطها، تدفع الأديان والمنظمات الإنسانية إلى رفع مطالب الرحمة والتعاطف والتسامح والضيافة وحقوق الجوار. فالحق المرحمي صار حقاً وواجباً أخلاقياً وإنسانياً وبما يتجاوز اعتبارات قانون الغالب أو المنافس. كان اللاهوتي الكاثوليكي هانس كينغ قد اقترح في مطلع التسعينيات الوصولَ إلى إجماع أخلاقي بين الأديان الكبرى، عماده القاعدة الذهبية: أحبَّ لأخيك ما تحبه لنفسك! وهي أخلاق الفضيلة والرحمة وليست أخلاق القانون. وقد تحقق ذلك في «وثيقة الأخوة الإنسانية» (2019) التي وقّعها البابا فرانسس وشيخ الأزهر بأبوظبي.
قد يجادل البعض في أنّ أخلاق العدالة، وبخاصةٍ في الدول وعلى المستوى الدولي، ضرورية. لكنّ أحداً لا يجادل في أنّ أخلاق الرحمة والتعاطف ينبغي أن تسود.
*أستاذ الدراسات الإسلامية - جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية


