في زمن تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية، وتتداخل فيه مفاهيم القوة والمصالح والقيم، تبرز تجارب دول استطاعت أن تعيد تعريف دور الدولة الحديثة خارج منطق الصدام والهيمنة. وتأتي دولة الإمارات العربية المتحدة في مقدمة هذه النماذج، بوصفها دولة بنت مشروعها الاستراتيجي على التوازن والعقلانية والبعد الإنساني في إدارة السياسة الخارجية. ففي عالم السياسة الدولية، لا تُقاس قيمة الدول بحجمها الجغرافي أو مواردها الطبيعية فحسب، بل بمدى تأثيرها الاستراتيجي العميق وقدرتها على صياغة التوازنات في عالم متعدد الأقطاب.
وعند قراءة المشهد المعقد في المنطقة بعين موضوعية، تبرز حقيقة لا تقبل الجدل، وهي أن دولة الإمارات العربية المتحدة نجحت في بناء نموذج سياسي رائد ومتقدم، يجمع ببراعة بين «الواقعية الاستراتيجية» و«الاستشراف القيمي النبيل»، بما يضيف بُعداً أخلاقياً يجعل من الإنسان والاستقرار الحضاري الهدف النهائي للسياسة. وعندما نقول إن الإمارات تدير ملفات المنطقة بـ «استشراف قيمي نبيل»، فإننا نعني أنها لا تبحث عن انتصارات عسكرية مؤقتة، بل عن «انتصارات حضارية»، حيث تنعم المجتمعات بالأمن والأمان، وتُبنى المؤسسات الحديثة، ويُحارب الفقر والجهل، وتُصان كرامة الإنسان. وهو ما جعلها رقماً أساسياً لا يمكن تجاهله، وصانع توازن حكيماً في المنظومة العربية والإقليمية والدولية، التي تعاني أزمات مركبة تتداخل فيها الصراعات السياسية مع التحديات الاقتصادية والإنسانية، الأمر الذي يجعل البحث عن نماذج عقلانية لإدارة التوازن والاستقرار ضرورة وجودية لا ترفاً فكرياً.
إن هذا الصعود الإماراتي لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة لرؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، الذي يقود جهود الإمارات بقلب القائد وعقل الحكيم، فبفضل توجيهاته، أصبحت الإمارات ملاذاً إنسانياً للشعوب المكلومة، وحصناً منيعاً في وجه التطرف. لقد جعل سموه من حماية الإنسان، بغض النظر عن عرقه أو دينه، بوصلة للسياسة الإماراتية، فامتدت أيادي الإمارات الإنسانية البيضاء لإغاثة الشعوب التي تعاني الحروب والكوارث الطبيعية، بالتوازي مع قيادة معركة حازمة ضد التنظيمات الإرهابية، إيماناً بأن سلامة الإنسان وحقه في الرخاء هما الركيزة الأولى لأي سلام عالمي مستدام.
وتكمن قوة هذا النموذج القيادي في قدرته على الجمع بين الحزم الاستراتيجي والهدوء السياسي، حيث تُدار الملفات الكبرى بعيداً عن الخطاب الانفعالي أو الشعبوي، وبمنطق الدولة طويلة النفس، التي تعرف متى تتحرك، وكيف تتحرك، ولماذا تتحرك. فقيادة سموه لهذه الجهود الدولية لا بحثاً عن نفوذ مؤقت، بل سعياً إلى دعائم «الأمن العالمي الشامل» الذي يحمي الكرامة الإنسانية في أقسى الظروف.
إن ما يميز الإمارات حقاً هو اعتمادها نموذج «السياسة المؤسسية التراكمية المتقدمة» والتي تعتبر أرقى مستويات الإدارة السياسية للدولة الحديثة، وهي منهجية سياسية متقدمة التي جعلت من دولة الإمارات نموذجاً فريداً في الاستقرار والتأثير. هذا المفهوم لا يعني مجرد تكرار المواقف، بل يعني بناء «عقل جمعي للدولة» يتطور باستمرار دون أن يفقد بوصلته. وخلاصة القرار يصدر بنتاج «مؤسسات إماراتية سيادية متخصصة»، حيث تلتقي حكمة التأسيس لدولة الإمارات العربية المتحدة مع طموح المستقبل في نسق مؤسسي راسخ لا يهتز أمام الضغوط، مما جعل من أبوظبي عاصمة تُقرأ فيها خرائط الطريق لمستقبل المنطقة بوضوح ويقين ومصداقية عالية. مما يخلق حالة من الموثوقية الدولية، ويُنظر إلى مواقفها بوصفها امتداداً لتاريخ ثابت وأساساً لالتزامات مستقبلية موثوقية.
فدولة الإمارات تفكر بعقل ورؤية قائد يستشرف المستقبل، عقل لا يخضع للضغوط اللحظية أو الانفعالات العابرة، بل يستند إلى مراكز تفكير استراتيجية تقرأ التحولات العالمية الكبرى قبل وقوعها، وتبني عليها خيارات مدروسة بعمق. هذا الذكاء الجيوسياسي الاستثنائي مكّنها من إدارة الحاضر بحكمة فائقة، وتحويل التحديات المستقبلية إلى فرص تنموية، مع الحفاظ على استقرارها وتأثيرها الإيجابي.
كما تقدم الإمارات رؤية فلسفية عميقة وملهمة مفادها أن الاستقرار الحقيقي ليس مجرد إنهاء الصراعات، بل هو عملية بناء هندسية ديناميكية مستدامة ترتكز على التنمية الشاملة، فالأمن، وفق الرؤية الإماراتية، لا يُبنى بالقوة العسكرية وحدها، بل يُرسّخ عبر شراكات حضارية متوازنة واستثمارات تنموية جذرية تربط الأمن بالاقتصاد والرفاه الاجتماعي. لذا، تظل مبادئها الثابتة -احترام سيادة الدول، دعم الشرعية الدولية، محاربة الفساد والتطرف والإرهاب بكل حزم - ليست كلمات جوفاء، بل أعمدة استراتيجية تحمي الشعوب من الظلم والقتل والفوضى، وتفتح أمامها آفاق المستقبل الواعد.
نجاح الإمارات في استخدام مفهوم «القوة الرشيدة» و«القوة الذكية» هو الجوهر الفلسفي الذي جعل من السياسة الإماراتية نموذجاً يُدرس في الأكاديميات السياسية العالمية، فهو الميزان الدقيق الذي يحكم الفلسفة السياسية الإماراتية، ويمثل الانتقال من مفاهيم القوة التقليدية «الخشنة والناعمة» إلى مرحلة «النضج الاستراتيجي». والقدرة على إدارة الأزمات بمهارة فذة، فهي القوة التي لا تُستخدم للهيمنة، بل تُسخر كدرع حضاري وأداة أخلاقية وقانونية لحماية الاستقرار وصناعة السلام. حيث تجيد «تدوير الزوايا الحادة» وتحويل التوترات إلى جسور تفاهم وتعاون. هذه الدبلوماسية الرفيعة تعكس ثقة عميقة في الثوابت الوطنية، وقدرة استثنائية على فتح قنوات الحوار حتى في أصعب الظروف. وهنا يبرز الإبداع الإماراتي الأصيل في الجمع المتوازن بين «القوة الناعمة» - المتمثلة في المبادرات الإنسانية الواسعة، والمساعدات التنموية، والدبلوماسية الاقتصادية والثقافية - وبين «القوة الرشيدة» التي تُفعّل بحكمة ومسؤولية عالية لحماية الأمن الإقليمي والسلم العالمي.
وفي هذا السياق، لا تنظر الإمارات إلى القوة بوصفها غاية، بل باعتبارها أداة تُستخدم عند الضرورة القصوى لحماية الاستقرار، ومنع انهيار الدول، وصون المجتمعات من الفوضى، ضمن إطار قانوني وأخلاقي واضح، ولقد أثبتت الإمارات دورها الريادي والحاسم في مكافحة التنظيمات الإرهابية في مختلف دول العالم وبخاصة اليمن، حيث أدارت عمليات عسكرية نوعية بكفاءة عالية، أفضت إلى تطهير مدن ومناطق استراتيجية من قبضة تنظيمي «القاعدة» و«داعش». ولم تكن هذه الانتصارات مجرد إنجاز عسكري عابر، بل كانت تمهيداً لاستراتيجية استدامة أمنية تمثلت في تأهيل وبناء قوى وطنية محلية، مجهزة بأحدث المنظومات وقادرة على تولى زمام المبادرة في صون الاستقرار. إن هذا الإرث العملياتي، الذي نال تقدير الأوساط الدولية، لا يعكس فقط الالتزام الإماراتي بمحاربة الفوضى، بل يجسد فلسفتها في (تمكين السيادة) وإعادة الكرامة للشعوب، عبر بناء ركائز أمنية صلبة تحمي مسارات المستقبل من ارتدادات الإرهاب.
ختاماً، تمثل السياسة الخارجية الإماراتية في مسارها تجسيداً رائعاً حياً لـ «البراغماتية القيمية»، فهي واقعية في أدواتها ووسائلها، نبيلة في أهدافها وغاياتها. لا تسعى الإمارات للأضواء الصاخبة أو الشهرة الزائلة، بل تركز على تحقيق نتائج مستدامة وملموسة تخدم استقرار المنطقة العربية والعالم بأسره.
والتجربة الإماراتية اليوم درس حي لقادة العالم، فالقيادة الحقيقية في القرن الحادي والعشرين تحتاج إلى رؤية ثاقبة تخترق الضباب، صبر استراتيجي يُبنى على المدى الطويل، وتوازن دقيق بين حكمة القوة ونبل الرسالة الإنسانية. إنها دولة لا تدار بالمصادفة، بل تقود بالعقل والضمير معاً، لقد نجحت الإمارات في الجمع بين الصلابة الاستراتيجية والبُعد لإنساني، وقدمت نموذجاً مختلفاً في فهم القيادة وصناعة التوازن في عالم لا يعترف إلا بالعقول الهادئة والرؤى بعيدة المدى.

*كاتب وباحث إماراتي.