قمة الاتحاد الأفريقي الـ39 في أديس أبابا انعقدت تحت شعار «ضمان توفير خدمات المياه والصرف الصحي الآمنة واستدامتها». لكن ما شغل القادة هو تداخل الأمن بالاقتصاد اليومي. أزمات مفتوحة في القرن الأفريقي والسودان، ونزاعات مزمنة في ساحات أخرى مثل الشرق الكونغولي. وجاءت مشاركة معالي الشيخ شخبوط بن نهيان آل نهيان، وزير دولة، لتأكيد مقاربة الإمارات في أفريقيا بوصفها شراكة طويلة الأمد تُدار بالمشاريع والاستثمار، وتضع الاستقرار شرطاً لمسار الطاقة واللوجستيات.
القرن الأفريقي يقدّم المثال الأوضح على تداخل الأمن بالاقتصاد. تنافس على الموانئ والممرات، حساسيات البحر الأحمر، توترات داخلية في دول محورية، ومشهد يتشابك فيه الصومال وإثيوبيا وإريتريا والسودان. ومن هنا تُقرأ أفريقيا اليوم بميزان واقعي، الاستقرار شرط التجارة والاستثمار وانتظام الإمدادات.
وتطرح الإمارات وجودها في أفريقيا عبر الاستثمار والشراكات ضمن رؤية تقوم على تنويع الاقتصاد وتوسيع شبكة الشركاء. وفي أديس أبابا، قال معالي الشيخ شخبوط بن نهيان إن التزامات الإمارات الاستثمارية في القارة تجاوزت 110 مليارات دولار بين 2019 و2023، وإن أكثر من 70 ملياراً منها اتجه إلى الطاقة والطاقة الخضراء والمتجددة. وهذه الأرقام تشرح موقع الإمارات بين أبرز المستثمرين في أفريقيا، ولماذا تلتقي مقاربتها مع حاجة القارة إلى مشاريع تُحسّن البنية التحتية وتدعم القدرة الاقتصادية.
ولم يأتِ الحضور الإماراتي في أفريقيا عبر قناة واحدة. الإمارات أبرمت 9 اتفاقيات شراكة اقتصادية شاملة مع دول أفريقية، ووسّعت حضورها اللوجستي عبر استثمارات الموانئ، بما يسهّل انتقال السلع ويخفّض كلفة الوقت على الشركات. وهذه المقاربة تلتقي مع أولويات الاتحاد الأفريقي في «أجندة 2063» التي تستهدف تكاملاً اقتصادياً أعمق داخل القارة، ومع مشروع منطقة التجارة الحرة القارية، لأن التحدي هو تحويل الاتفاقات إلى تجارة بينية مربحة ومستدامة.
استضافة الإمارات، بالشراكة مع السنغال، لمؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026 في أبوظبي، تأتي امتداداً لقمة أديس أبابا. فالأولويات الأفريقية تحتاج منصات تجمع التمويل والخبرة والتنفيذ في ملف المياه المرتبط بالأمن الغذائي والصحة والاستقرار. والدبلوماسية الإماراتية تضع هذا الملف على مسار تعاون يمكن متابعته مع الحكومات الأفريقية.
أفريقيا تدخل مرحلة مختلفة في ترتيب أولوياتها الاقتصادية، والطاقة النظيفة أصبحت جزءاً من حسابات النمو. من هنا تأتي مسارات الإمارات في الطاقة، من مبادرة الاستثمار الأخضر في أفريقيا بقيمة 4.5 مليار دولار، إلى برنامج «مصدر» في أفريقيا بقيمة 10 مليارات دولار، إلى مبادرة «الاتحاد 7» التي تستهدف توسيع الوصول إلى الكهرباء بحلول 2035. وبالتوازي، مبادرة بمليار دولار للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي وخدماته في أفريقيا.
الوضع في السودان كان حاضراً في قمة أديس أبابا ضمن نقاشات السلم والأمن. والموقف الإماراتي ثابت ويدفع نحو وقف فوري لإطلاق النار وفتح الممرات أمام المساعدات بلا عوائق، ثم إطلاق مسار سياسي يفضي إلى حكومة مدنية مستقلة. وعلى المسار الإنساني، أعلنت الإمارات تعهُّداً إضافياً بقيمة 500 مليون دولار خلال قمة واشنطن في 3 فبراير لدعم صندوق إنساني تابع للأمم المتحدة، ضمن سجلِّ دعم إنساني ممتد منذ اندلاع الحرب. ووفق بيانات الأمم المتحدة، تُعد الإمارات ثاني أكبر مانح للمساعدات إلى السودان منذ 15 أبريل 2023. ومع حملات التضليل، يبقى المعيار في ما يصل للمدنيين فعلاً، وفي الدفع نحو وقف الحرب لا إطالة أمدها.
علاقة الإمارات بأفريقيا تُدار بعقل الشراكة لا بعقل النفوذ. الاستثمار في الطاقة واللوجستيات والرقمنة والمياه هو استثمار في الاستقرار نفسه. وفي قارة تعيد ترتيب أولوياتها بين التنمية والأمن، من يكسب احترامها هو من يقدّم حلولاً قابلة للتنفيذ، ويحترم السيادة، ويصنع مع حكوماتها وشعوبها مصالح متبادلة ومثمرة.
*كاتب إماراتي


