إننا نشهد فترةً من التاريخ احتدَّت فيها المنافسة بين الدول والشعوب كلٌ حسب مآربه ومشاربه تنشد السَّبق والرِّيادة العالمية، ولا يستثنى من ذلك إلا طائفةٌ من الدول اختارت القعود، ولم تدرك من هذا التَّنافس المقصود، فجلست تفكِّر في يومها، وإن أكثرت ففي عامها، ولم تهتدِ إلى طريق الصُّعود. وقد حبا الله تعالى هذا الوطن بمؤسِّسٍ حكيمٍ ذي نظرٍ سديدٍ وأفقٍ واسعٍ مديدٍ هو المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي آتاه الله من الحكمة والتَّبصر ما سبق به زمانه بأشواطٍ طويلةٍ.
ثمَّ ورث حكمته وبُعدَ نظره صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، فمزج هذه الحكمة الموروثة بالتَّجارب والمعارف التي استجدت في شرق الأرض وغربها، فأثمرت في فكره ونظره نهجاً جديداً يتواءم مع ما جدَّ من تقاربٍ عالميّ، واضطرابٍ دوليٍّ، وتسارعٍ تكنولوجيٍّ انعكس تأثيره البالغ على الدول والشعوب والأفراد، وكان من تطلُّعاته الأولى واختياراته الراَّئدة أن يكون هذا الوطن في صدارة العالم والمؤثِّرين فيه، وهذا المكان - مكان الرِّيادة - تتنازعه دولٌ عظمى لها بعدٌ حضاريٌ وقوةٌ متعدِّدة الأشكال، وكثافةٌ سكانيةٌ كبيرةٌ، ولكنه، حفظه الله، بعد أن اختار الهدف، وحدَّد وجهة هذا الوطن اتخذ قراره الجازم بأن هذا المقصود المنشود من أعظم الغايات عند العظماء، وأنبل المقاصد عند صنَّاع التاريخ لأممهم وشعوبهم وحضارتهم، فلا تراجع عنه، ولا تهاون في تحقيقه والوصول إليه.
وإن هذا المقصد العالي والهدف النَّبيل لم يتصدَّ له عبر التَّاريخ الإنساني كلِّه إلا الأفذاذ الذين بقيت آثارهم وذكراهم في ضمائر الشُّعوب والأمم؛ لما يتطلَّبه من جهودٍ في الفكر والجسد والتكاليف، وتحمُّلٍ لعقباتٍ ليست قليلةً، وليست سهلةً أو يسيرةً، و صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، حفظه الله، يعلم ثقل هذه المسؤولية، ولكنه بدأها بالاختيار ثم بالقرار، ثم بمتابعة الجهود التي لا تكلُّ ولا تملُّ، وتعجز عنها العُصَب من الرجال.
ولكن العقلاء وأهل التَّجارب يعرفون أن الجهود التي توصل إلى الرِّيادة والسؤدد والصَّدارة العالمية ليست محصورةً في جانبٍ من جوانب الحياة، وليست مقصورةً على ميدانٍ دون آخر، ولهذا فإن صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، حفظه الله، الذي نذر نفسه لرفعة هذا الوطن وعزَّته لم يترك جانباً منها.
إنه، حفظه الله، قد وضع أبناء الوطن ومن يعيش معهم على أرضه المباركة في مأمنٍ من الزَّعازع أو الحاجة إلى البحث عن العيش الكريم الرغيد، وأعلى جنباته بأجمل البنيان وأحدث التقنيات، وأعظم الحدائق والطرقات، وأحسن أدوات الطب في المستشفيات، فلا حاجة يتلمَّسونها من عيشٍ أو تعليمٍ أو صحةٍ أو علاجٍ أو سلعةٍ تيسر سبل الحياة وترتقي بالإنسان إلا وهي حاضرةٌ في هذا الوطن، فالدنيا كلها حاضرةٌ فيه، وليس في غيره، وكلُّ هذا محاطٌ بسياج الأمن الشَّامل والاطمئنان الكامل، وحقَّق بذلك ثوابت الحياة السَّعيدة، والعيش الكريم، والصحة البدنية والنفسية والأمن الشامل لمن يحيا في هذا الوطن المبارك.
والجهود المباركة لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد وحكمته الواسعة ورؤيته المستقبلية الثاقبة جعلت هذا الوطن واحةً غنَّاء خضراء في صحراء العالم المتحركة بالاضطرابات  وهي متعددة الأشكال والأنواع. إن هذا الوطن في صدارة العالم في داخله وريادة المجتمعات والدول والشعوب في نظامه وقوامه، تحرسه عناية الله وتديره بحكمةٍ وتبصرٍ قيادةُ الشيخ محمد بن زايد، حفظه الله، فيسير به كل يوم إلى الأحسن والأفضل بشهادات التقدير التي تطلقها المنظمات المختصة بأن هذا الوطن قد تصدَّر العالم في مجموعة من المعايير الإنسانية والعلمية والاجتماعية، ويأتي في الدول الأولى في مجموعة المعايير.
ولنا أن نتساءل: هل هذا وجد صدفةً، أو من غير تعب ولا عَنَاء؟! أجل إن المنافسة على الصَّدارة والرَّيادة لها تعبٌ طويلٌ وثقلٌ جسيمٌ. 
وإن إنجازات الشيخ محمد بن زايد، حفظه الله، على المستوى الداخلي تحتاج إلى فريق عملٍ كبيرٍ ومتمرسٍ لحصرها وتصنيفها وإبرازها في كل جوانب المجتمع الإماراتي وسيرورته منذ عقود حينما اختار وقرَّر ماذا يريد لهذا الوطن.
وإن تجربة الشيخ محمد بن زايد، حفظه الله، وهو يتنقل في أرجاء العالم ودوله المختلفة وأنظمته المتعددة، ويرى صراعاته القديمة والمتجددة، وابتكاراته المتلاحقة المدهشة أدرك بفكره الوقَّاد وذكائه الشَّديد ونظراته الفاحصة أن العالم يتسارع يوماً بعد يوم، والوصول إلى الرِّيادة والصَّدارة لن يكون بالأمر السهل ولا الهيِّن، بل شمَّر عن ساعد الجدِّ لدخول حلبة التَّنافس العالمية، ووضع الخطط والمشروعات المتعدِّدة المتنوِّعة بناء على الإمكانات المتاحة في هذا الوطن، وراهن على أبنائه وأجياله القادمة بنقلهم إلى الصَّدارة في ميادين الحياة، فسهر، حفظه الله، بشخصه وفكره ووقته على الزَّج بهم في ميادين التعليم المختلفة في كل جوانب الإبداع البشري وعلوم الإنسان.وقد وصل في تقديري إلى أمرين ظاهرين مهمَّين جداً لتبوّء الرِّيادة:
أولهما: أن أبناء هذا الوطن قد أصبح فيهم جيلٌ شبه متكاملٍ، - وسيتكامل قريباً بحول الله - يغطِّي أدقَّ التَّخصُّصات العلمية والحضارية التي تقود العالم اليوم، وكمثال على هذا فإن جيلاً من شباب الإمارات أصبح من رواد الفضاء، بل وأعمق من هذا ألا وهو صناعات الفضاء، وهذا جانب من جوانب الصَّدارة العلمية التي تتبلور الآن؛ لتكون ساحة المستقبل ألا وهي صناعة علوم الفضاء.
دولة الإمارات  غدت بفضل الله تعالى، ثم بجهود القائد الفذِّ صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، تسابق الدول العظمى بجدارة واقتدار، وطموح الشيخ محمد بن زايد ورؤيته للمستقبل ما زالت في أوَّل الطريق، والآتي أعظم وأهم، وهذا جانب يراه الناس كلُّهم لا خفاء فيه إلا على حاقدٍ أو جاحدٍ.
والأمر الثاني: لقد أيقن صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، حفظه الله، أن التكنولوجيا خاصةً والمعرفة العلمية بوجهٍ عامٍ هي التي ستقود المستقبل والعالم، فأخذ لهذا الأمر عدَّته، ودفع بأبناء هذا الوطن ليكوِّن نواةٌ صلبة لـ «وادي المعرفة المستقبلية» في دولة الإمارات على غرار وادي السيليكون في أميركا، وبدأ الأمر محدوداً كما هي سنة الحياة بـ «صنع في الإمارات»، وتطور في هذه العقود الأخيرة بدعم من قائد مسيرة هذا الوطن؛ حتى أصبح الأمر مدهشاً للقريب والبعيد بما ينتجه هذا الوطن من صناعاتٍ متقدمةٍ.
ووجّه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، حفظه الله، الأموال الضَّخمة في الاستثمارات الابتكارية والإبداعية في الأمور الدقيقة والصناعات التي ستؤثر في مستقبل البشرية داخل الوطن وخارجه بشراكاتٍ عميقةٍ وواسعةٍ وفي جهات عديدة.
ومدَّ يده إلى كل الدول على اختلاف توجُّهاتها، وهو، حفظه الله، وريث الحكمة والوفاء، فإذا وعَدَ أوفى، وإذا عاهد صفا، فاحتلَّ بذلك مقعداً عالمياً، وأصبح اسمه واسم دولة الإمارات العربية المتحدة في كل المحافل والمنظَّمات الدولية والأهلية، ولدى الحكومات والدول المختلفة حاضراً بقوة وتقدير واحترام، وما كان ذلك إلا بالصَّبر والحكمة والأناة المقرونة بالجهود الدؤوبة لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، حفظه الله.
وإن سنَّة الكون والحياة أن النعم والتفوُّق عليها رقباءٌ وحسَّادٌ، وقبلهم منافسون في حلبة السِّباق، وكذلك بعضٌ ممن لم يستطع المنافسة، فلا بد أن يرى الحسنات التي يراها الناس واضحة كضوء الشمس غير ذلك، ويرى جلائل الأعمال التي ملأت الدنيا وشغلت الناس غير موجودة؛ لأن هؤلاء قد غطَّت مشاعرُهم التي ينضحون منها على أبصارهم التي يرون بها، وهذا أمر طبيعي في الحياة منذ بدء الخليفة إلى آخر الدهر.
ولا أريد التَّطرق إلى جهود صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد التي صنعت جيلاً من الأبطال تكويناً وعدَّةً وعتاداً بأحدث النظم ووسائل القوَّة؛ لتحمي منجزات هذا الوطن وتصون تفوُّقه وريادته التي تصعد إلى ذرى المجد في كل يوم، وتحقِّق المزيد، وتحافظ على الأمن الشامل الذي يشعر به كل فردٍ مشى على أرض هذا الوطن، وإن جهوده في هذا الميدان لا يوازيها جهود قائدٍ في عصرنا حسب ما أعلم.
إن اختيار صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد وقراره بأن يكون هذا الوطن في قمَّة العالم ومقدمة الدول قد وصل إليه، وهو يتابع المسير بجهودٍ مضنيةٍ وعملٍ مستمرٍ فلا يلتفت إلى ما يصادفه الجادُّون المتفوِّقون في طريقهم فالعلماء لا يرون إلا الأهداف.  وإن صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد اليوم مرجعيةٌ عالميةٌ، وإن دولة الإمارات المثال والنَّموذج للمستقبل.
فحفظ الله صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد رجل الرِّيادة العالمية والقيادة الحكيمة، وحفظ هذا الوطن أنموذج التَّفوق والازدهار والاستقرار.

هذا ابن زايد للعلى يسمو بنا ..................... فمحمد بن زايد للأنام فخارُ
ألقت مقادير الإله بكفِّه ............................. صنع الحياة فشأنه الإعمارُ

 

المستشار الدكتور/ فاروق محمود حمادة