من المهمّات الفلسفية الأصيلة أن يفتح الفيلسوف مجموعةً من الأسئلة مشفوعةً بنحت العديد من المفاهيم، وما كانت مهمة الفلاسفة أن يغلقوا الأسئلة بإجابةٍ ناجزةٍ بقدر جدّيتهم في طرحِ مقاربةٍ نظريّة لها، مع الإبقاء دائماً على جذوة السؤال وقادةً مشتعلة.

ومن بين هؤلاء الفلاسفة الذين أثّروا كثيراً على الغنى المفهومي مارتن هايدغر، الذي كتب قليلاً وأثّر كثيراً. ومن هنا، فإن رصد انعكاس الفلسفة الهايدغرية على العرب ضروريٌ جداً ومفيد للغاية. ولعل أبرز مَن رصد استقبال العرب لفكر هايدغر هو الباحث مشير عون في كتابه «هايدغر والفكر العربي». وسأعرض هنا بشكل سريع بضع نقاطٍ مما طرحه عون في هذا الصدد، ولعلها تكون نقاطاً مفيدة: أولاً: يرى عون أنه وممّا لا جدال فيه «أنّ الغرب يكوّن، بالنسبة إلى الفكرين العربيّ والهايدغريّ، بطريقة مفارقة، نقطة جذبٍ ومصدر ريبةٍ وحذر، بفعل كلّ ما يحمله في مجال أنماط الإدراك وأنظمة التفسير، ومعايير الحكم وقواعد السلوك، والقيم الثقافيّة والمكتسبات الحضاريّة».

ثانياً: يقول عون: «إذا ما اتّضح أنّ الفكر العربيّ، في اتّجاهاته الإسلامويّة والتقليديّة، مستشرسٌ في نزعته العدوانيّة إزاء الفكر الغربيّ وأنّه، في خياره الإصلاحيّ والحداثيّ، متبصّرٌ في توجيه سهام النقد إلى هذا الفكر إيّاه، واصطفائيٌ بالضرورة بالنسبة إلى اقتبال هذا الفكر، فذلك لأنّ الغرب لم يكفّ البتّة عن إغواء العالم العربيّ والتأثير فيه تأثيراً يختلف في طبيعته وحدّته. وقياساً على ذلك، يجد الفكر الهايدغريّ نفسه مرغماً تاريخانياً، بحسب الاصطلاح الذي يؤثره هايدغر، على التعامل مع الغرب بهدف استيلاده على حقيقته الخاصّة.

وهي الحقيقة التي حجبتها الغطاءات المتعاقبة التي ولّدها التيهان الميتافيزيقيّ».ثالثاً: يرى مشير عون أن «العالم العربيّ لم يقدّر هايدغر حقّ قدْره إلى حدٍّ ما، على الرغم من اتّساع فكره اتّساعاً لا ريب فيه، خلافاً للأعلام الأخرى البارزة في الفكر الغربيّ.

وإذا كان علينا أن نتحاشى الوقوع في فخّ النُواح أو الاستغراق في التشاؤم في ما يخصّ مصير الفكر الفلسفي في العالم العربي، فإنّ أسباب هذا التجاهل عديدة: هزال الترجمات، وجِدَّة الاصطلاحات الهايدغريّة التي تكاد تكون عصيّة على الفهم، والتجريد المفهوميّ المفرط في ما يخصّ الاستدلالات والتحليلات الهايدغريّة، وغرابة القضيّة أو غرابة القصد الرئيس للمشروع الهايدغريّ بالنسبة إلى الأنظمة الفلسفيّة الأُخرى. وفي ما يتعلّق بالجهد الذي بُذِل في مجال الترجمة، فإنّ المترجمين آثروا اختياراً حَكَمَ المبادرات التي قاموا بها.

فقد فضّلوا الموضوعات الهايدغريّة التي تتعلّق بالدرجة الأولى بالفن، والشعر، واللسان، والسياسة، وكلّها ميادين يهتمّ بها القارئ العربيّ اهتماماً مباشراً». والخلاصة هنا هي أن فلسفة هايدغر لم تكن مثل الأطروحات العابرة الوقتية، كالفلسفة الوضعية أو الفلسفة الوجودية العبثية، وإنما تميزت بكونها أسست لنمط مفهومي عميق لا يزال فعّالاً ومؤثراً.

ولعل الأهم من وهذا وذاك أن هايدغر سبب إرباكاً لكلّ قارئيه تقريباً، وما كانت دراسة عون لارتباك العرب حيال هايدغر إلا وسيلةً لفهم الظاهرة الفلسفية ككل وطرق استقبالنا لها. ولعل المهمّة الأساسية في هذا الصدد هي أن نحترم النظريات المتسائلة التي يدوم سؤالها طويلاً ويكبر معنا ونكبر معه.

*كاتب سعودي