قام صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، بزيارة رسمية إلى الهند، الأسبوع الماضي، لبحث سُبل تعزيز العلاقات التي تشهد نمواً متواصلاً بين البلدين. وتُعدّ العلاقات الهندية الإماراتية من العلاقات المتينة، التي تشهد تعاوناً مثمراً بين طرفيها. وأكدت هذه الزيارةُ، وهي الخامسة لصاحب السمو رئيس الدولة إلى الهند خلال السنوات العشر الماضية، عمقَ العلاقات بين البلدين. وكان رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في استقبال صاحب السمو رئيس الدولة في المطار، ورافق سموه في السيارة نفسها، في دلالة رمزية واضحة. غير أن أهمية الزيارة تجاوزت المجاملات والبروتوكول، إذ أسفرت عن نتائج عملية وأهداف ملموسة.
تربط الهندَ والإمارات شراكةٌ استراتيجية قوية، حيث شهد التعاون بين الدولتين نمواً ملحوظاً في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية والثقافية. وساهمت الزيارة الأخيرة في تعزيز هذا التعاون، حيث وقّعت شركة «هندوستان بتروليوم كوربوريشن ليمتد» اتفاقيةً بقيمة 3 مليارات دولار مع «شركة بترول أبوظبي الوطنية للغاز» لتوريد 0.5 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً لمدة 10 سنوات، بدءاً من عام 2028. ومن المتوقع أن تُسهم هذه الاتفاقية في دعم الهند خلال فترات تقلبات الأسعار. وفي الوقت نفسه، أعلن البلدان عن استهدافهما مضاعفةَ حجم التبادل التجاري الثنائي إلى 200 مليار دولار بحلول عام 2032، في إطار جهودهما لتنويع العلاقات الاقتصادية. وبموجب هذه الاتفاقية، أصبحت الهند أكبر مستورد للغاز الطبيعي المسال من الإمارات، وستستحوذ على 20% من مبيعاتها بحلول عام 2029.
كما تُعدّ الهند ثاني أكبر شريك تجاري للإمارات، حيث تستحوذ على ما يقرب من 9% من إجمالي تجارتها الخارجية، بينما تمثل الإمارات ثالث أكبر شريك تجاري للهند بعد الولايات المتحدة والصين في عام 2025، فضلاً عن كونها موطناً لنحو 3.5 مليون مغترب هندي. وفي تطور بالغ الأهمية، وقّع البلدان أيضاً خطابَ نوايا لشراكة استراتيجية في مجال الدفاع. ويسعى الجانبان إلى تعزيز التعاون في الصناعات الدفاعية، والابتكار الدفاعي، والشراكات في مجال التقنيات المتقدمة، بالإضافة إلى توسيع نطاق التعاون في التدريب والتعليم. وقد يشمل ذلك التدريب المشترك بين القوات الخاصة في البلدين، ودراسة التهديدات الدفاعية في الفضاء السيبراني، ومكافحة الإرهاب، وهو مجال يحظى باهتمام مشترك.
وبينما يُجري البلدان مناوراتٍ عسكريةً مشتركةً، فإنهما يتطلعان الآن إلى التعاون الصناعي الذي يشمل تصنيع المعدات الدفاعية ونقل التكنولوجيا. وتهدف الخطة إلى تصنيع منتجات دفاعية للاستخدام المحلي والتصدير إلى دول أخرى. ولم تُعلن بعد التفاصيل الكاملة لـ«الشراكة الدفاعية الاستراتيجية» بين الهند والإمارات، إلا أنها تهدف بوضوح إلى توسيع نطاق التعاون الدفاعي الثنائي القائم في عدد من المجالات. وفي ظل بيئة أمنية معقدة، يسعى البلدان بوضوح إلى تنويع صادراتهما ووارداتهما الدفاعية.
ومن التطورات الأخرى التي أُعلن عنها خلال الزيارة، العمل على إنشاء «سفارات رقمية»، حيث يدرس البلدان إمكانيةَ إنشاء مراكز بيانات في كل منهما. وفي إطار الجهود المبذولة لحماية البيانات الحكومية والتجارية الحساسة من الهجمات الإلكترونية، سيُمكّن هذا الإجراء من التعامل مع البيانات المخزنة كما لو كانت موجودة على أراضي الدولة الأم. وفي مجال التعاون الفضائي، وقّع المركز الوطني الهندي لترويج وترخيص الفضاء اتفاقيةً مع وكالة الفضاء الإماراتية. وستتيح هذه الشراكة للإمارات استخدام مركبات الإطلاق الهندية منخفضة التكلفة لأقمارها الاصطناعية. كما سيعمل البلدان على بناء بنية تحتية مشتركة لتصنيع الأقمار الاصطناعية ودعم الشركات الناشئة في مجال الفضاء.
ووقّع الجانبان أيضاً خطابَ نوايا بين المركز الوطني الهندي لترويج وترخيص الفضاء ووكالة الفضاء الإماراتية حول مبادرة مشتركة لتطوير البنية التحتية الفضائية وتسويقها. وبموجب هذه المبادرة، سيعمل الجانبان على إنشاء مجمعات إطلاق جديدة، ومرافق لتصنيع الأقمار الاصطناعية، وبعثات مشتركة، وأكاديمية فضائية، ومراكز تدريب.
وتسعى الإمارات أيضاً إلى تعزيز دورها في جهود الهند لتطوير البنية التحتية. وقد وقّعت حكومة ولاية جوجارات الهندية خطابَ نوايا مع وزارة الاستثمار الإماراتية لتطوير منطقة «دوليرا» الاستثمارية الخاصة. يشمل هذا المشروع خططاً لإنشاء مطار دولي، ومرفق لصيانة وإصلاح الطائرات، وميناء جديد، ومدينة ذكية، وخطوط سكك حديدية، وبنية تحتية للطاقة. كما تُقيم شركاتٌ إماراتية عملياتِها في مدينة «جيفت» بولاية جوجارات، حيث افتتح بنك أبوظبي فرعاً له هناك، للمساعدة في تمويل التجارة وتدفقات الاستثمار.
كما تضمنت الزيارة جانباً ثقافياً، حيث اتفقت الهند والإمارات على إنشاء «بيت الهند» في أبوظبي. وسيضم هذا الصرح الثقافي متحفاً يعرض الفنون والتراث والآثار الهندية.
وتؤكد هذه المجالاتُ التعاونية المتنامية الروابطَ بين الهند والإمارات. وفي ظل الظروف الحالية غير المستقرة إقليمياً وعالمياً، تُعد العلاقة الإماراتية الهندية مثالاً على الاستقرار والنمو المستمر.
*رئيس مركز الدراسات الإسلامية - نيودلهي


