من يطلق عليهم حالياً مسمى «إسلاميين» في العالمين العربي والإسلامي، والحركات الناشطة التي ينتمون إليها، معبؤون بالألغاز المحيرة وبالتناقضات المثيرة للجدل في فكرهم ومصادرهم المعرفية. والغريب في الأمر، هو أن النتائج التي تمخضت عن ذلك قوامها تطوير ردود أفعال متباينة تجاه من يطلق عليهم هذا المسمى، فبالنسبة لبعض من انخدعوا بمزاعم «الإسلاميين» ومصادرهم المعرفية، ينظرون إليهم كـ «قوَّة» ضد ما يصفونه بـ «التغلغل الثقافي والسياسي والاقتصادي» الأجنبي. وبالنسبة لآخرين، يُعتبر الإسلاميون وحركاتهم، أصوليين متطرفين وإرهابيين، يكاد فكرهم أن يقترب كثيراً من الفاشية والنازية والشمولية، ويتوجب النظر إليهم بتوجس وحذر وقلق. لذلك يبرز أمامنا سؤال حول ماهية الموقف الصحيح الذي يتوجب على المسلم أن يتخذه من شتى أصناف الإسلاميين وحركاتهم وتنظيماتهم وجماعاتهم؟
يتوجب الوقوف ملياً والقول بأنه يوجد على الساحة الآن بشر وحركات لديها مفكرون ومنظرون، وهي صاحبة أيديولوجيا عميقة مرتبطة بالماضي أكثر من ارتباطها بالحاضر والمستقبل، وبعض من أولئك المفكرين معادون للحداثة وللكثير مما هو موجود وقائم وممارس في عالم اليوم، وللفكر التحديثي برمته بحجج من المحافظة على التراث والإرث الإسلامي، إنْ لم يكن قائماً على أسس دينية وينطلق من منطلقات دينية.
ويمكن لي ربط هذا النمط الفكري والطروحات القائمة عليه بمقولات «متزامنة السير ويليام موير» الشهيرة Sir William Muir. والمتزامنة هي مجموعة أعراض تظهر في وقت واحد بما يسمى بالتناذر. ومتلازمة موير تظهر حيث جميع الأحداث المكررة للاستغلال والانتهازية للسلوك السياسي تُنسب إلى الأديان والتدين، وبالتالي يمكن التمييز بين النظم السياسية غير المستقرة في شتى أنحاء العالم وبين النظم الدستورية المستقرة القائمة في الدول الديمقراطية.
إن كلا النوعين من النظم من الصعب التوفيق بينهما، فهما متناذران، لكن النظم غير المستقرة تنبثق من محاولة إرجاع ممارسات سياسية بعينها هي شمولية الطابع والمنحى إلى المثالية الدينية دون الاهتمام بوجود تأثير من متغيرات أخرى موازية. ومن جانب آخر، فإنه في اللحظة التي تكون فيها قد تمت الإشارة إلى عدم وجود مزايا لإيجاد حلول لخلافات غير عميقة أو شديدة التأثير في داخل النظم السياسي المعنى يتوجب الاعتراف بعدم وجود إصرار على تبني مقولات الخير والشر المرتبطة بالأديان في السلوك السياسي. في مثل هذه الحالة، يمكن إثبات أن النصوص الدينية التي يقوم عليها السلوك السياسي صحيحة أم العكس.
ويمكن القول بأنه في مجال الواقعية السياسية لا يوجد اهتمام فعلي بهذا النوع من الطروحات. وعليه، فإن الافتتان والشغف العاطفي موجود لدى شرائح واسعة من المتدنيين، ما يعني عدم إمكانية التفريق بين الأديان والحياة السياسية في بعض المجتمعات.
هنا يبرز سؤال سرمدي عجز المفكرون الإسلاميون في العصور الحديثة عن الإجابة عنه، وهو: كيف يمكن دراسة علاقة الإسلام بالسياسة بشكل واقعي ومنطقي مفيد وفقاً لحياة المسلمين المعاصرة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال رغم صعوبتها لا بد وأن تتضمن شيئاً من التوضيح للنزعات الساذجة التي يشير البعض إليها، وما أن يتم التوقف عن الطروحات السطحية والعاطفية الصرفة حتى يتضح وجود وجهات نظر متعددة حول طبيعة علاقة الإسلام بالسياسة في الوقت الراهن.
*كاتب إماراتي


