في الرابع من فبراير 2026 احتفلت دولة الإمارات بذكرى توقيع وثيقة الأخوة الإنسانية بأبوظبي، التي تم إطلاقها قبل 7 سنوات بحضور البابا السابق فرنسيس وشيخ الأزهر- وبدعوة وإشراف من صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله.
لم تحتفل الإمارات وحدها بهذه الذكرى، بل احتفلت معها الأمم المتحدة التي صار اليوم لديها «يوماً عالمياً للتسامح والأخوة الإنسانية». والواقع أنّ الاحتفاء بالتسامح والتعايش بدولة الإمارات سابق على التلاقي بأبوظبي.
فمنذ العام 2017 هناك وزارة بالحكومة للتسامح والتعايش، وأخرى تتعلق بالسعادة. وعلى هدْي وثيقة الأخوة ومؤتمرها صارت جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية تعرض ماجستيراً في التسامح والتعايش.
ونحن نعرف أنه اشتُرعت جائزة للشخصيات والمؤسسات التي تتأهل لتلبية المتطلبات، وفي هذا العام حصل على جائزة السلام والمصالحة كلٌّ من رئيس أذربيجان ورئيس وزراء أرمينيا لأنهما عقدا اتفاقية سلامٍ وتصالح بين بلديهما.
وثيقة الأخوة الإنسانية تعني عدة أمور وأولها تلك المصالحة الكبرى بين الدينين العالميين. فحوالى نصف سكان العالم هم من المسيحيين والمسلمين، ولذلك فإنّ الوثيقة ليست وثيقة حوار إيجابي ومستجد فقط، بل هي وثيقة استعادة التواصل والوصول إلى مصالحة حقيقية في ميادين التعامل الإنساني المختلفة.
أما ثاني تلك الأمور فهو أن الوثيقة وضعت جدول أعمال للقضايا والمشكلات العالمية. وتعهد الموقعان على العمل عليها من أجل إنفاذها. لكن ليس هذا فقط فهي تدعو ثلاثة أطرافٍ أُخرى لمجابهة المشكلات وحفظ السلام العالمي، «المسؤولون العالميون الكبار، ومفوضيات ومسؤولو الأمم المتحدة، والمجتمع المدني العالمي».
دائماً كانت الجهات الدينية الكبرى داعية سلامٍ وتسامح. لكنّ دعواتها خفّ تأثيرها وبخاصةٍ أنها في العقود الماضية ما تجاوزت مسألة الحوار الديني.
وكان المفكر واللاهوتي الكاثوليكي هانس كينغ- كما ذكرتُ مراراً - قد دعا في مطلع تسعينات القرن الماضي إلى لقاء الأديان على ميثاق أخلاقي لإحلال السلام. وما صار ذلك حقيقةً إلاّ في لقاء الأخوة الإنسانية، حيث التقى دينان عالميان كبيران هما المسيحية والإسلام على هذا الميثاق الأخلاقي الشامل.
بعد الحرب العالمية الثانية، صارت الأمم ومفوضياتها ومؤسساتها، ومنها مجلس الأمن هي المكلفة بحفظ السلام. لكن قدراتها ضعفت في الحرب الباردة ثم بسقوط الاتحاد السوفييتي وانتشار النزاعات الكبيرة والصغيرة. ولذلك اتجه الموقعون على وثيقة الأخوة الإنسانية إلى القادة العالميين وإلى مؤسسات الأمم المتحدة لاستجماع قدراتها وعزائمها وإمكانياتها من جديد، ومن ذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) ووثيقة الحقوق المدنية والسياسية (1975)، وقبل ذلك وبعده مجلس الأمن.
تتفاقم المشكلات والنزاعات في العالم، ولذلك لا بد من التصدي والمكافحة والاهتمام بمصائر الإنسانية، ولذلك فإنّ وثيقة الأخوة الإنسانية تشكل خطوةٌ واسعةً في هذا الاتجاه.
* أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.


