كثيراً ما تُشير عناوين الأخبار إلى أن الأميركيين لا يؤيدون منح المساعدات لأوكرانيا، لكن الواقع الأميركي يُخالف ذلك. فقد أكدوا مراراً وتكراراً على ضرورة مساعدة واشنطن لكييف في خوض حربها ضد روسيا. وقد استجاب الكونغرس العام الماضي لهذه الرغبة: إذ خصصت الأغلبية «الجمهورية» في لجنتي القوات المسلحة 400 مليون دولار لمبادرة المساعدة الأمنية لأوكرانيا لكل من العامين المقبلين. كما وافق أعضاء لجنة الاعتمادات على هذا التمويل بالكامل للسنة المالية 2026 بدعم واسع.
ومع ذلك، فإن المساعدات التي أقرها الكونغرس قبل أشهر مجمدةٌ حالياً في البنتاغون. وعندما طلب أعضاء لجنة الاعتمادات في مجلس الشيوخ توضيحاً من مكتب السياسات بالوزارة، بقيادة وكيل الوزارة إلبريدج كولبي، قوبلوا بالتجاهل. كما أعرب مسؤولون في القوات المسلحة عن استيائهم من عجز وزارة الدفاع عن التواصل.
ويبدو أنها ليست المرة الأولى التي يُمارس فيها كولبي هذا الموقف. فتقارير العام الماضي أفادت بأنه كان المتسبب في قرار تعليق شحنات الأسلحة إلى كييف، وهو ما فاجأ الرئيس دونالد ترامب. كما رأى كولبي أن المساعدات الأمنية المقدمة لأوكرانيا وحلفاء أميركا في «الناتو» من دول البلطيق تعتبر «إهداراً للموارد»، واستبعد تلك الجهودَ من ميزانية السنة المالية 2026. إلا أن الأغلبية الجمهورية عارضت ذلك وأعادت التمويل، ليس بدافع الصدقة، بل لأن مساعدة أوكرانيا تمثل استثماراً في أمن الولايات المتحدة.وخلال أول عامين من الحرب الروسية الأوكرانية، أدت المساعداتُ لأوكرانيا إلى ضخ مليارات الدولارات في القاعدة الصناعية الدفاعية الأميركية. وحتى مع استجابة إدارة بايدن المحدودة، فقد استخدم مجلس الشيوخ مشاريع تمويل إضافية لزيادة قدرات الإنتاج للذخائر والمكونات الحيوية، مثل محركات الصواريخ الصلبة. كما تجاوز الكونغرس طلب إدارة ترامب في مشروع قانون ميزانية الدفاع لعام 2026 لتعزيز هذا التقدم ومعالجة النقص المزمن في الذخائر. لذا، لا يمكن لمسؤولي البنتاغون الذين قبلوا بتمديد التمويل المؤقت العام الماضي، وقدموا ميزانية لن تستغل كامل القدرة الإنتاجية الأميركية، أن يلقوا محاضرات بشأن محدودية الإمدادات.
ورغم أن تركيز ترامب على إنهاء الحرب هدف نبيل، لكن ثمن السلام واستقراره أمران بالغا الأهمية. إذ إن نهج البنتاجون بحجب الدعم لأوكرانيا أو إبطاء تقديمه يشبه استراتيجية الرئيس بايدن. 
وقد زار وزير الجيش دان دريسكول ورئيس أركان الجيش آنذاك الجنرال راندي جورج، أوكرانيا العام الماضي، للاطلاع على التطور السريع لتكتيكات وتقنيات ساحة المعركة. ووصف دريسكول كييف بأنها «وادي السيليكون للحرب». وهناك ضباط يرغبون في تطبيق الدروس الأوكرانية في مجال مكافحة الطائرات المسيرة والحرب الإلكترونية على استعدادات الجيش الأميركي للصراعات المستقبلية. إلا أنهم لن يستطيعوا التعلم من الحرب ما لم يراقبوا أحداثها. ومع ذلك، يواصل البنتاغون سياسة إدارة بايدن المتمثلة في تقييد عدد المدربين العسكريين المصرح لهم بمساعدة أوكرانيا ومتابعة الصراع عن كثب.
وبغض النظر عن السبب، فإن كبار مسؤولي البنتاجون المعنيين بملف أوكرانيا، بمن فيهم قائد القيادة الأوروبية الأميركية، لم يزوروا كييف. كما يبدو أن المبعوث الخاص للرئيس المسؤول عن ملف المفاوضات لم يزرها أيضاً، رغم زياراته المتكررة لموسكو.
 إننا ندفع ثمن التقاعس بالفعل، حيث لم تستطع إدارتا بايدن وترامب الاستفادة من تقدم أوكرانيا في تقنيات الطائرات المسيرة ومكافحتها. وتعمل الجيوش، بما فيها الجيش الأميركي، الآن على نقل هذه الأنظمة المثبتة إلى الشرق الأوسط لتعزيز الدفاع ضد الهجمات الإيرانية.

وفي غضون ذلك، لا يزال البنتاجون يمتنع عن توضيح سبب عدم التزامه بتنفيذ استثمارات متواضعة في أوكرانيا. إذا كنا جادين في تحقيق «السيطرة على الطائرات المسيرة»، فلا ينبغي لنا أن نُعرقل علاقتنا مع أبرز خبراء الطائرات المسيرة في العالم. وإذا كنا حريصين على البقاء القوة العظمى المهيمنة عالمياً، فلا ينبغي أن نسمح لمسؤولين دفاعيين غير منتخبين بتقويض القيادة الأميركية وعرقلة تعميق العلاقات مع القاعدة العسكرية والصناعية الأوكرانية المبتكرة. والسؤال الملح هنا: ما سبب ذلك؟


*سيناتور «جمهوري» عن ولاية كنتاكي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»