لم تسقط الحضارات الكبرى لأنها افتقرت إلى القوة، بل لأنها صدَّقت أنها بلغت كفايتها، فالتراجع لا يبدأ عند الأسوار، بل في القناعات، وحين يتسلّل إلى الوعي شعورٌ خفي بأن ما تحقق يكفي، تبدأ لحظة الانحسار، وإن كانت الأعلام لا تزال مرفوعة.
روما لم تُهزَم في ذروة قوّتها العسكرية، بل حين اعتقدت أن نظامها بلغ من الرسوخ ما يُغني عن التجديد. وكثير من الكيانات الحديثة لم تتراجع لندرة الموارد، بل لوفرة الاطمئنان، فليست الآفة في النجاح، بل في الاعتقاد أنه اكتمل، وما يهزم الأمم ليس العجز، بل الرضا عن الاكتمال.
وتُنسَب إلى الكاتب الأميركي مارك توين (Mark Twain) عبارة قصيرة هي: «المساحة الوحيدة المتاحة دائماً هي مساحة التحسين»، وهذه العبارة ليست ملهمة فحسب، بل هي في حقيقتها مبدأ حضاري، فكل إنجاز - مهما علا - يفتح باب مراجعة، لا باب استراحة، وكل قمّة تُبلَغ تفرض سؤالاً جديداً: ماذا بَعُد؟ ذلك أن النجاح، إذا لم يُتبَع بسؤال التطوير، يتحول إلى عبءٍ خفيٍّ، لأن المحافظة عليه تتطلب ما هو أكثر من بلوغه.
وفي فلسفات الإدارة الحديثة لم تُبْنَ نظرية التطوير المستمر على افتراض الفشل، بل على رفض الركود، وتجربة «كايزن» اليابانية لم تكن استجابة لأزمة، بل ثقافة يومية ترى في كل عملية فرصة ضبط، وفي كل إنجاز احتمال تحسين، فالمؤسسات الأكثر رسوخاً ليست تلك التي لا تخطئ، بل تلك التي تصحِّح قبل أن يتراكم الخطأ، وتُراجع قبل أن تتصلَّب العادة. والتحسين ليس اعترافاً بالنقص، بل إعلان نضج، وهو في جوهره فعل صيانة للقوة لا تشكيك فيها.
أما في علم النفس، فقد ميّزت الباحثة الأميركية كارول دويك (Carol Dweck) بين «عقلية الثبات» و«عقلية النمو»، الأولى تحرس ما لديها، والثانية توسِّعه، والأولى تخشى أن يُمسَّ إنجازها، والثانية ترى الإنجاز نقطة انطلاق، فالفارق ليس في الذكاء، ولا في الإمكانيات، بل في الموقف من التعلّم نفسه، وهنا يتجلَّى الفرق بين عقلية الإنجاز، وعقلية الاكتفاء، فالأولى تبني رصيدها للمستقبل، والثانية تستهلك رصيدها من الماضي.
إن أخطر ما يُصيب الكيانات الناجحة ليس النقد الخارجي، بل الصمت الداخلي. وحين تخفت الأسئلة، ويُستبدل التطمين بالحوار، ويصبح الحفاظ على الصورة أسبق من تطوير الجوهر، تبدأ التفاصيل الصغيرة - التي لا تُرى - في رسم منحنى تراجع بطيء، فالتحسين المستمر ليس شعاراً إداريّاً يُرفع في المؤتمرات، بل ثقافة مساءلة ذاتية دائمة، ثقافة تؤمن بأن القوة تُصان بالمراجعة، وأن الاستقرار يُحمَى بالحركة، وأن الثقة الحقيقية لا تعني الجمود، بل القدرة على تجاوزه.
وفي سياق الأمم الطامحة إلى الريادة تتحول مساحة التحسين من خيار إداري إلى ضرورة استراتيجية، فالعالَم لا ينتظر مَن يكتفي، والتنافس لا يمنح امتيازاً دائماً لأحد. وما يُعدُّ اليوم قمةً قد يصبح غداً حدّاً أدنى، إن لم يُدعم برؤية تتقدمه.
وفي تجربتنا الوطنية لم يُتعامل مع التميز بصفته غاية تُبلَغ، بل بصفته منهجاً يُدار به المستقبل، فالدولة التي تبني للغد لا تُقاس بإنجازاتها فحسب، بل بقدرتها على مراجعة نفسها قبل أن يُراجعها الآخرون. والنجاح هنا لا يُحفظ بالاحتفاء، بل بالتحسين، ولا يُصان بالثقة وحدها، بل بالمساءلة المصاحبة لها.
إن المنظومات، التي تؤمن بأن أمامها دائماً ما يمكن تحسينه، لا تعيش هاجس النقص، بل وعي الإمكان، فالنجاح ليس باباً يُغلق، بل مسؤولية تُفتح، والريادة ليست لقبًا يُعلَّق، بل حركة مستمرة نحو أُفق أبعد.
وفي المؤسسات التي تدرك أن الغد أوسع من اليوم تبقى هناك مساحة لا تُغلق أبداً: مساحة التحسين.
*الأمين العام لمجلس التوازن للتمكين الدفاعي