منذ عقودٍ وعقود ما عاد التسامح سلوكاً أو علاقات مستحبة بين أفراد بل صار مذهباً فلسفياً إذا صحَّ التعبير. وهو في المستوى السياسي والاستراتيجي دعوة مستديمة للسلام والتصالح من طريق التفاوض على المصالح المتبادلة وإمكانيات التعاون. تدخل الفلاسفة أولاً ثم تدخل رجالات العلاقات الدولية، وأخيراً رجالات المؤسسات الدينية ومفكروها.
لا يزال مشهوراً تدخل الفيلسوف جون لوك في القرن السابع عشر برسالته في التسامح تفكيراً بالإصلاح أو المهادنة بين الكاثوليك والبروتستانت. وتوالى على ذلك مفكرون آخرون، مثل روسو وفولتير وآخرين في القرن العشرين. ولأن الصراع كان بين لاهوتين يتصارعان، فإنّ الفلاسفة تدخلوا حذِرين ليس للانتصار لدينٍ على دينٍ بل لاستبعاد الدين من مجال التجاذب بغضِّ النظر عمَّن معه حقٌّ، حتى يتمكن الناس من العيش معاً لأداء المصالح المشتركة والتفكير بمستقبل العيش معاً.
إنّ أوروبا التي كانت تتطور إلى قِبلةٍ للعالم كانت وبعد حروبٍ وحروب دينية واستراتيجية قد اتفق قادتها عام 1648م في معاهدة وستفاليا على عدم تغيير الحدود، وعلى الاستقرار الديني والسياسي ضمن الحدود المتعارَف عليها. ولذا فقد جاءت آراء الفلاسفة داعمةً للاستقرار الديني والسياسي، والذي لم يكن كاملاً. واتجهت الاجتهادات إلى العناية بالشأن الداخلي وتطوير مفهوم الحقوق والواجبات تحت عنوان المواطنة والدستور.
بيد أنّ التطور الأبرز جرى في مجال التفكير الديني. وذلك لأنّ الخلاف الديني في أوروبا في القرنين السادس عشر والسابع عشر كان في أساس الحروب التي اشتعلت (بين الكاثوليك والبروتستانت). ولذلك ظهرت أفكار واعتقادات من جانب الفريقين الكبيرين بعضها يرفع شعار المسيح في المحبة أو القاعدة الذهبية: أحِبَّ لأخيك ما تحبه لنفسك، وهو أثر إسلامي معروف أيضاً. وبعضها الآخر يركّز على شعار العلمنة الذي يقول بفصل الدين عن الدولة ليتمكن الناس من العيش معاً، والذي تطرف فيه الفرنسيون أكثر من غيرهم.
بعد مجمع الفاتيكان الثاني (1962-1965) اشتهرت مقولة التسامح من جانب الكاثوليك في مواجهة اليهود والمسلمين. وبخاصةٍ بسبب اللقاء في مبادئ عقدية وروحية وأخلاقية مشتركة. ومع ازدياد دورات الحوار واقتراحات تحسين العلاقة بين المؤسسات والجمهور بين الديانات المختلفة، صارت هناك جمعيات لمتابعة هذا الحوار وتشجيعه. وما نزال نذكر أحداث الحوار في أبوظبي من خلال منتدى تعزيز السلم، ومجلس الحكماء، وعدة مبادرات أخرى.
وعندما نتحدث عن الشراكات بين الأديان والمستندة إلى التسامح والتعايش والقول بالتعدد، نستحضر المبادرات العربية والإسلامية في التسامح والحوار والعيش المشترك. ومن ذلك رسالة عمّان عام 2004، والكلمة السواء 2007، وإعلان مراكش 2016 ، وحلف الفضول الجديد2019، ووثيقة الأخوة الإنسانية، عام 2019.
لقد احتفت دولة الإمارات والأمم المتحدة في 4 فبراير بذكرى وثيقة الأخوة عام 2019. ثم إنّ البابا ليو الرابع عشر وبمناسبة شهر رمضان هنّأ المسلمين، واعتبر وثيقة الأخوة إعلان تسامحٍ ومودة بين المسلمين والمسيحيين وعلى مستوى العالم. وجاء في التهنئة أنّ أخلاقيات الأديان في الأخوة والتسامح والتعايش هي خير حافظٍ في الأزمات.
*أستاذ الدراسات الإسلامية- جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.


