لكل فاعل سياسي سواء كان داخلياً أو دولياً أهدافه وموارده المادية والمعنوية التي يوظّفها في سبيل تحقيق هذه الأهداف، فإذا كانت موارده متناسبة مع أهدافه مضى في تنفيذها دون عوائق، وإذا نقصت الموارد المتاحة عن متطلبات تحقيق الأهداف اضطُر الفاعل السياسي ذو الصلة لإعادة ترتيب أولوياته بحيث يُعطي الأفضلية في تخصيص الموارد للهدف الأهم فالأقل أهمية، ويترتب على ذلك أن بعض الأهداف التي تأتي في مرتبة أدنى قد يؤجل تنفيذها أو حتى لا يتم تحقيقها أصلاً طالما بقي قصور الموارد.
 ولتوضيح هذه الفكرة أضرب مثالاً بنموذج التفاعلات المصرية-العربية منذ نهاية سبعينات القرن الماضي وحتى نهاية ثمانيناته، ففي ذلك الوقت كانت خطوات مصر على طريق التسوية السلمية مع إسرائيل قد قاربت الاكتمال بتوقيع اتفاقيتي كامب ديفيد في سبتمبر1978 اللتين كانت أولاهما بمثابة «مسودة» لمعاهدة سلام مع إسرائيل، واعترضت المجموعة العربية آنذاك، وعُقِدَت قمة عربية في بغداد في ذات العام قررت فرض عقوبات على مصر إن هي وقّعت معاهدة سلام مع إسرائيل، وبالفعل بمجرد توقيع المعاهدة المصرية- الإسرائيلية في مارس1979 قطعت كافة الدول العربية عدا ثلاث علاقاتها الدبلوماسية مع مصر، ونُقِل مقر الجامعة العربية ومنظماتها المتخصّصة الموجودة بالقاهرة لتونس وبلدان عربية أخرى، غير أنه مع تطورات الحرب العراقية-الإيرانية بعد اختراق إيران لشبه جزيرة الفاو في 1986 أصبح النظام العربي مواجَهاً بخطرين في آن واحد يصعب مواجهتهما في ظل الانقسام المصري-العربي الذي بعثر الموارد العربية، ومن هنا خلصت قمة عمّان في 1978 إلى إعادة ترتيب الأولويات، فلم تعُد الأولوية لمقاطعة مصر في ظل الحاجة إلى توحيد الصف العربي في مواجهة الخطر الإيراني، وهكذا وافقت القمة على أن تكون إعادة العلاقات الدبلوماسية مع مصر حقاً سيادياً، بعد أن كان الموقف هو أن قطع العلاقات تم بقرار جماعي، ومن ثم فإن عودتها لابد أن تكون بقرار جماعي، وبالفعل عادت العلاقات الدبلوماسية بين مصر والبلاد العربية في زمن قياسي.
 تذكرت هذا المثال بمناسبة رفع العقوبات على النفط الروسي، فمن المعروف أن هذه العقوبات قد فُرضت بعد العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا باعتبار أن صادرات النفط تمثل مصدراً رئيسياً لتمويل المجهود الحربي الروسي، ومن ثم فمن شأن تقليصها أن يجفف منابع هذا التمويل ولو جزئياً، ومع التصعيد في الحرب الأميركية- الإسرائيلية الراهنة على إيران، وما تلاها من اعتداءات على منشآت النفط، وما أدت إليه تداعياتها من أزمة نفطية مرشحة للتفاقم إلى حد لا يحتمله كل من المنتجين والمستهلكين بدأ التفكير في تخفيف العقوبات على النفط الروسي، ربما تمهيداً لرفعها، ويعني هذا نشوء الحاجة لإعادة ترتيب الأولويات، فلم تعد الأولوية لهزيمة روسيا في أوكرانيا، وإنما لتحقيق الأهداف الأميركية والإسرائيلية في الحرب الحالية على إيران.
 ولا شك أن موقف ترامب تجاه الحرب الروسية في أوكرانيا قد سهّل عملية إعادة ترتيب الأولويات هذه، فقد سعى منذ بداية ولايته الثانية لتسويةٍ للحرب يكون التسليم بالمكتسبات الإقليمية التي حققتها روسيا جزءاً منها، وقد أعطى هذا التغيير في ترتيب الأولويات الفرصة لانتقادات وُجهت لترامب بشأن قرار الحرب وإدارتها، خاصة أن لا أحداً من دول الخليج العربية ولا الدول العربية عموماً كان يريدها، بل لقد حاول الجميع منع قيامها.
*أستاذ العلوم السياسية- جامعة القاهرة