أمضت الدول العربية عقوداً في محاولة احتواء جماعة «الإخوان»، بينما لم تبدأ أوروبا بعد. والنتيجة مفارقة خطيرة: فبينما يتضاءل نفوذ هذه الجماعة المتطرفة في الشرق الأوسط، يزداد نفوذها في أوروباً يوماً بعد يوم.
لسنوات، حذّر خبراء الأمن في الولايات المتحدة وأوروبا من هذه الجماعة. ومع ذلك، باستثناء النمسا، لم تتخذ أي دولة من دول الاتحاد الأوروبي إجراءً حاسماً. تتسامح معظم الدول الغربية مع أجنحة الجماعة السياسية، مُعلّلة ذلك باندماجها السلمي في الأنظمة السياسية. في الولايات المتحدة، وقّع الرئيس دونالد ترامب أمراً تنفيذياً يصنّف فروعاً من جماعة «الإخوان» كمنظمات إرهابية أجنبية. لكن لم تُبذل جهود غربية منسّقة لمواجهة التهديد الأيديولوجي الذي تُشكّله الحركة.
في بلجيكا، تحوّلت بعض الأحياء إلى مجتمعات موازية. وفي ألمانيا، ورغم تحذيرات الحكومة، تواصل الجماعة نموّها في مدنها. أما في السويد، فقد حوّلت جماعة مرتبطة ومموّلة من الخارج البلاد إلى بؤرة للفكر الديني المتشدد.
وفي العام الماضي، حذّر تقرير حكومي فرنسي من خطر «الإخوان» وانتشارها في المجتمع الأوروبي. وقد لاقى التقرير رواجاً واسعاً في العواصم الأوروبية. فلماذا هذا التراخي؟ أحد الأسباب هو التقاليد الغربية التي ترفض التدخل في الشؤون الدينية. لكن هذا الميل إلى التسامح أتاح للمساجد المرتبطة بـ«الإخوان» حرية نشر رسائل التعصب والكراهية، بما في ذلك تمجيد العنف الإرهابي، في العديد من المدن الغربية. كما يهدّد انتشار الجماعة تماسك الدول الأوروبية من خلال تأجيج التوترات العرقية وإنشاء هياكل اجتماعية بديلة قائمة على تفسيرها الخاص للشريعة.
تعتمد جماعة «الإخوان» في عملها على سياسة الانتظار حتى تتأكد من قوّتها، ثم تتحرك ضد بنية الدولة القائمة. وقد وصف التقرير الفرنسي مشروعاً «تخريبياً» متعمداً من قبل فرع الجماعة في فرنسا، بهدف تحدي العلمانية تدريجياً. وقد أسهم نشاط «الإخوان» في عزل مجتمعات المهاجرين، وعزل المسلمين عن المجتمع السائد. ونتيجة لذلك، يتزايد تمسك الشباب المسلم الأوروبي بآراء دينية متطرّفة تتعارض مع القيم الوطنية لدولهم المضيفة.
هذه المشكلة ليست جديدة. ففي عام 2017، حذّر سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، من أنه سيأتي يوم نشهد فيه ظهور عدد أكبر بكثير من المتطرفين والإرهابيين من أوروبا بسبب غياب الحسم، أو محاولة مراعاة التوجهات السياسية السائدة، أو افتراض أن الدول الغربية على دراية بالشرق الأوسط والإسلام، وأنها تعرف الآخرين أفضل منا بكثير.
يكمن أحد التحديات في مواجهة هذا التهديد في نهج «الإخوان» في أيديولوجية الجماعة التي تسببت في الكثير من الإرهاب واعتمدت على تلقين الشباب بأفكار حتى تتمكن الجماعة من استغلال نفوذهم المجتمعي للسيطرة السياسية.
ومن التحديات أيضاً بنيتها غير الرسمية، إذ لا يوجد لها مقر أو قيادة مركزية، بل هي شبكة من منظمات اجتماعية وسياسية إسلامية مترابطة بشكل فضفاض. وتستند هذه الشبكة إلى جماعة «الإخوان» الأصلية في مصر، التي تأسست عام 1928، والتي تأثرت لاحقاً بأفكار سيد قطب. وقد اتسمت أفكار قطب بالعداء للأنظمة العربية والدول الغربية، حيث أرجع تدهور المجتمعات العربية إلى ما اعتبره انحلالاً أخلاقياً. وأسهمت نظرياته حول الجاهلية والطليعة الثورية ورفض الحكم العلماني في تشكيل أجيال من الإرهابيين من «القاعدة» إلى تنظيم «داعش».
يمكن للغرب أن يستفيد من تجارب دول مثل الأردن والمغرب ودولة الإمارات العربية المتحدة، التي نجحت في مكافحة نفوذ جماعة «الإخوان». في العالم الإسلامي، تتخذ العلاقة بين الدول والجماعة عدة أشكال. أولاً السيطرة، حيث تسمح بعض دول المنطقة العربية للإسلاميين بالعمل ضمن أنظمتها السياسية مع فرض رقابة عليها. ثانياً الصراع، حيث تُجرّم الجماعة، وبالتالي إما أن تُستأصل، كما في الإمارات والأردن، أو تُجبر على العمل السري، كما في مصر. ثالثاً النفوذ، حيث تُؤثر جماعة «الإخوان» في بعض الحالات على النظام السياسي أو تُصبح جزءاً منه.
ومع اقتراب الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات 11 سبتمبر، ينبغي أن تتضح للجميع العواقب المحتملة لنهج أوروبا - وهو التقاعس عن العمل. «خلية هامبورج»، التي شاركت في التخطيط لهذه الفظائع الإرهابية، ضمت ثلاثة من طياري «القاعدة» الانتحاريين: محمد عطا، ومروان الشحي، وزياد سمير جراح. كانوا طلاباً دوليين في ألمانيا، وهناك تلقّوا التلقين والتطرف في مسجد تابع لجماعة «الإخوان».
لقد خلقت قيم الديمقراطيات الغربية بيئةً حمت جماعة «الإخوان» وسمحت لها بتوسيع نفوذها. واستغرق الأمر عقوداً حتى تمكّنت الدول العربية من إضعاف نفوذ الجماعة. سيكون من الخطأ أن يفترض الغرب أنه يملك مثل هذا الوقت.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
*زميل في مركز بلفر بجامعة هارفارد


