لم تعد الاستراتيجيات الكبرى حكراً على القوى الكبرى كالولايات المتحدة والصين فقط، بل أصبحت كل قوة إقليمية أو دولية فاعلة تمتلك تصوراً استراتيجياً خاصاً بها لإعادة تشكيل موازين القوى في العالم. وتشمل هذه القوى: الصين، وروسيا، والهند، وإيران، وتركيا، والاتحاد الأوروبي، وكتلة دول الخليج العربي. أما في قراءة الصراع بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، فهو ليس مجرد مواجهة ثلاثية فحسب؛ لأن حقيقته أعمق من ذلك بكثير، فهو جزء من شبكة أوسع من الاستراتيجيات الكبرى التي تتداخل فيها مصالح قوى دولية رئيسية، وعلى رأسها الصين وروسيا، إلى جانب الهند وتركيا والاتحاد الأوروبي. هذه القوى لا تقف على الهامش، بل تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر في مسار الصراع، وفي موازين القوى في الخليج العربي. 
 تسعى الولايات المتحدة بدورها للحفاظ على موقعها كقوة مهيمنة، وتعتبر أمن إسرائيل واستقرار تدفق الطاقة من الخليج جزءاً أساسياً من استراتيجيتها، وأسعار الطاقة عامل مهم لتجنب ركود عالمي سيؤثر على الاقتصاد الأميركي نفسه، وإن رفع التكلفة على الاقتصاد الصيني يؤدي إلى تباطؤ صناعي وتقني داخل الصين، حيث إنه بمثابة خنق للاقتصاد العالمي قبل أن يكون استهدافاً للصين. وفي المقابل، ما علاقة ذلك بدعم الغرب لإسرائيل عسكرياً وسياسياً، واحتواء إيران ومنعها من التحول إلى قوة إقليمية مهيمنة؟ السر يكمن في الحصول على الموارد الخام المهمة وتحويلها لمصدر دخل شبه ثابت يعزز الاقتصاد الداخلي والتوسع العالمي، بجانب التمركز المتقدم، من خلال بناء شبكات نفوذ، وإضعاف أخرى لتعزيز التموضع في مواجهة المنافسين. 
هنا يبرز الدور المحوري للصين، التي لا تنخرط في الصراع العسكري ظاهرياً، ولكنها تمارس تأثيراً استراتيجياً عميقاً في مساعدة وتقوية أطراف الصراع التي تخدم مصالحها، وإن كانت تعتمد بشكل كبير على نفط الخليج، بما في ذلك النفط الإيراني، وتسعى إلى الحفاظ على استقرار المنطقة لضمان استمرار تدفق الطاقة، لكن كل ذلك يجب أن يكون وفق رؤية ضمان تدفق طاقة رخيصة نسبياً من كل قارات العالم. لذلك تتبنى سياسة توازن دقيقة، تحافظ فيها على علاقات مع إيران، وفي الوقت نفسه توسع شراكاتها الاقتصادية مع دول الخليج. هذا النهج يمنح الصين نفوذاً هادئاً، يجعلها قادرة على التأثير دون الدخول في مواجهة مباشرة. كما أن استثماراتها في الموانئ والبنية التحتية تعزز حضورها في الممرات البحرية الحيوية.
أما روسيا، فتتعامل مع هذا الصراع من زاوية مختلفة، فهي ترى في التوتر بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية فرصة لإضعاف النفوذ الغربي، وتعزيز موقعها كفاعل دولي مهم. وتدعم موسكو طهران، وتنسق معها في بعض الملفات الإقليمية، خاصة في سوريا. لكن روسيا في الوقت نفسه تحافظ على علاقات عملية مع إسرائيل لتجنب التصادم المباشر. كما تلعب روسيا دوراً مهماً في أسواق الطاقة العالمية بالتنسيق مع دول الخليج، مما يمنحها تأثيراً إضافياً في توازنات المنطقة. 
إلى جانب ذلك، تتحرك قوى أخرى وفق حساباتها الخاصة، فالهند تعتمد على استقرار الخليج لتأمين احتياجاتها من الطاقة، وتحافظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف. وتركيا تسعى إلى توسيع دورها الإقليمي، عبر مزيج من الاقتصاد والسياسة، مستفيدة من التغيرات في موازين القوة. أما الاتحاد الأوروبي، فيركز على تقليل التوتر، ودعم الحلول الدبلوماسية، خوفاً من انعكاسات الصراع على أمن الطاقة والاستقرار الاقتصادي.
هذا التداخل بين الاستراتيجيات يجعل الصراع الإيراني - الإسرائيلي - الأميركي جزءاً من مشهد عالمي أوسع، تتحكم فيه عوامل متعددة، مثل النفط والغاز، والممرات البحرية، والتكنولوجيا، وحتى البنية التحتية الرقمية، مثل الكابلات البحرية والأقمار الاصطناعية. فمضيق هرمز، على سبيل المثال، يمثل نقطة ضغط استراتيجية يمكن أن تؤثر على الاقتصاد العالمي بأكمله، وهو ما يجعل أي تصعيد في الصراع قضية دولية، وليس إقليمية فقط.
بالنسبة لدول الخليج، فإن وجود قوى مثل الصين وروسيا في هذا المشهد يمنحها هامشاً أكبر للمناورة، فهي لم تعد مضطرة للاعتماد على شريك واحد، بل يمكنها تنويع علاقاتها، والاستفادة من التنافس بين هذه القوى لتحقيق مكاسب اقتصادية واستراتيجية. لكن في الوقت نفسه، يزيد هذا التعدد من تعقيد البيئة الأمنية، ويجعل من الضروري إدارة العلاقات بحذر لتجنب الانجرار إلى صراعات كبرى، خاصة أن الصين وروسيا ليستا خارج هذا الصراع، بل هما جزء أساسي من معادلته، حتى وإن لم تشاركا فيه بشكل مباشر. فالصراع لم يعد يُقاس فقط بمن يطلق النار، بل بمن يملك القدرة على التأثير في مساره، وتحديد نتائجه، وتوظيفه لخدمة مصالحه. وفي هذا السياق، يصبح الخليج ساحة توازن دقيقة بين قوى متعددة، حيث تتقاطع الاستراتيجيات، وتختبر القدرة على إدارة عالم يتجه نحو تعددية معقدة في مراكز القوة.


*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات