في السادس من مايو 1976، لم تكن دولة الإمارات العربية المتحدة توحّد قواتها المسلحة فحسب، بل كانت تحسم معنى الاتحاد في لحظة سيادية فاصلة. ففي عالم لا تُصان فيه السيادة بالشعارات، بل بالقدرة على حمايتها، لم يكن ذلك القرار إجراءً عسكرياً إدارياً، بل تحوّلاً سيادياً عميقاً نقل الاتحاد من مرحلة التأسيس السياسي إلى دولة مكتملة السيادة، قادرة على حماية قرارها الوطني وصون استقرارها بقوة موحّدة وعقيدة واحدة.
واليوم، بعد ما يقارب نصف قرن، لا تُستعاد تلك اللحظة بوصفها مناسبة عسكرية فحسب، بل باعتبارها التعبير الأوضح لحقيقة أن الجيوش في الدول الحديثة ليست مجرد مؤسسات أمنية، بل الصيغة الأعلى عن سيادة الدولة وصلابة قرارها وقدرتها على حماية مكتسباتها الوطنية.
غير أن جذور هذا المسار السيادي سبقت ذلك بسنوات طويلة. ففي سبتمبر 1957، نشرت مجلة Soldier العسكرية البريطانية تقريراً عن الساحل المتصالح بعنوان: «The Army of the Seven Sheikhdoms»، رصد دوريات تجوب الصحراء على متن المركبات وظهور الجمال، وجنوداً يتدرّبون على الانضباط واستخدام السلاح، ووحدة ميدانية يقصدها الأهالي من مسافات بعيدة طلباً للعلاج والرعاية.
ولم تكن المجلة ترصد مشهداً عسكرياً عابراً في إمارات الساحل المتصالح، بقدر ما كانت توثّق واحدة من أقدم الشهادات الصحفية المصوّرة عن البنية العسكرية التي سبقت قيام اتحاد الإمارات. وتكمن القيمة الأعمق لهذه المادة في أنها تكشف أن القوة المنظمة لم تُولَد مع الدولة، بل سبقتها كحاجةٍ وجودية، ثم أعادت الدولة تشكيلها كأداة سيادية مكتملة المعنى.
وهذا ما أدركه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، منذ البدايات الأولى. فقد نظر إلى بناء جيش قوي بوصفه حماية لفكرة الدولة، وصمّام أمان لوحدة الاتحاد واستقراره، مدركاً أن الثروة من دون قوة تبقى عرضة للأطماع، وأن الازدهار من دون ردع يظل هشّاً أمام التحولات والأخطار، وأن الاتحاد لا يُصان إلا بقوة موحّدة تحرسه.
ومن هذه الرؤية تشكّلت إحدى أكثر القواعد رسوخاً في التجربة الإماراتية: الأمن والتنمية بنية سيادية واحدة، يُنتج فيها الاستقرار بالقوة ويُحمى الازدهار بالردع.
وفي ظل قيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، للمؤسسة العسكرية، دخلت القوات المسلحة الإماراتية مرحلة إعادة تعريف الوظيفة السيادية للقوة. لم يَعُد التطوير محصوراً في تحديث السلاح أو تطوير القدرات، بل في توظيف القوة بوعي استراتيجي دقيق، يُدار ويُفعَّل لفرض معادلة الاستقرار وصون السيادة.
ولا يُقاس التفوق بحجم الترسانة، بل بقدرة الدولة على تحويل القوة إلى قرار حاسم واستجابة دقيقة في الزمن الحقيقي، منظومة تقوم على دقة القرار، وسرعة التنفيذ، ودمج التكنولوجيا بالعقيدة، والانضباط بالكفاءة العملياتية. وهنا تتجلى السمة الفارقة للنموذج الإماراتي: قوة تضبط التوازن، وتفرض الاستقرار، وتُدار بمنطق استباقي يُحيِّد التهديد قبل تشكّله.
وحتى مشاركاتها الخارجية في الكويت وأفغانستان واليمن وغيرها، لم تكن امتداداً لمنطق النفوذ، بل تعبيراً عن دور سيادي في ترسيخ الاستقرار ومواجهة مصادر الفوضى.
وفي مواجهة الاعتداءات الإرهابية الإيرانية، واجهت القوات المسلحة الإماراتية نمطاً قتالياً يتجاوز صورة الحرب التقليدية. ومنذ هذه الاعتداءات السافرة، تعرّض المجال الحيوي للدولة لما يقارب 2838 صاروخاً وطائرة مسيّرة، في كثافة نيرانية غير مسبوقة شكّلت اختباراً مباشراً لقدرة الدولة على ردّ العدوان واحتواء أثره.
غير أن الاختبار الحقيقي لم يكن في إسقاط الأهداف المعادية، بل إفشال غايتها الاستراتيجية الأعمق: كسر الإحساس بالأمان، وزعزعة ثقة المجتمع بالدولة، وتعطيل إيقاع الحياة. سقطت الصواريخ والمسيّرات، لكن ما عجز المعتدون عن كسره كان الأثمن: ثقة المجتمع، وثبات الدولة وتماسكها، واستمرارية عمل مؤسساتها.
ما بنته الإمارات خلال نصف قرن لم يكن قوة عسكرية فحسب، بل تعريفاً سيادياً مختلفاً لها، قوة تُبنى لضبط التوازن، وتُسخَّر لفرض الاستقرار وصون السيادة، وتُدار بمنطق استباقي يقطع مسار التهديد قبل تشكّله، كركيزة لبقاء الدولة وضمان استمرارية ازدهارها.
*كاتب وباحث إماراتي


