في الحج، لا يمضي الإنسان إلى مكانٍ فحسب، بل يمضي إلى معنى. يمضى إلى الرحلة التي تتخفف فيها الأرواح من ضجيج الدنيا، وتتجه القلوب خاشعةً نحو الله، حاملةً الدعاء والرجاء واليقين. لكن وسط هذا الزحام الهائل، وتلك المشاهد المهيبة التي تجتمع فيها أمم الأرض على اختلاف لغاتها وألوانها، يبقى هناك سؤال عظيم: كيف يشعر الحاج بكل هذا السكون والطمأنينة؟

الجواب رأيته بعيني هذا العام، في الجهود الكبيرة التي تبذلها دولة الإمارات العربية المتحدة، وفي الحضور المشرف لمكتب شؤون حجاج الإمارات، وفي تلك المنظومة المتكاملة التي تعمل بصمت، لكنها تترك أثراً عظيماً في قلب كل حاج.

منذ اللحظة الأولى، كان واضحاً أن الأمر لا يتعلق بإجراءات سفر أو تنظيم حملات فحسب، بل بمنهج دولة ترى أن خدمة الإنسان مسؤولية، وأن راحة المواطن امتداد لقيمها وهويتها ورسالتها الإنسانية. في كل تفصيل من تفاصيل الرحلة، كانت الإمارات حاضرة. في دقة التنظيم، وفي سرعة التنسيق، وفي الوجوه التي تتحرك بين الحجاج بابتسامة وطمأنينة، وفي الأيادي التي تعمل ليلاً ونهاراً لتخفيف المشقة وتيسير الطريق. هناك فرقٌ كبير بين أن تُقدَّم الخدمة بوصفها مهمة، وبين أن تُقدَّم بوصفها رسالة. وهذا ما شعرت به حقيقةً مع فرق مكتب شؤون حجاج الإمارات؛ إذ لم يكن التعامل جافاً أو آلياً، بل كان مليئاً بالاهتمام الإنساني، والحرص الحقيقي على راحة الحاج وسلامته وكرامته.

وفي المشاعر المقدسة، حيث تتزاحم الخطوات، وتتعب الأرواح والأجساد، كانت الجهود التنظيمية تبدو كأنها شبكة أمان خفية تحيط بالحجاج من كل جانب؛ تنسيق دقيق، متابعة مستمرة، استجابة سريعة، وإدارة واعية تدرك حجم المسؤولية وعظمة المكان والزمان.

ولعل أكثر ما يبعث على الفخر أن هذه الصورة المشرقة لم تكن مجرد مظهر تنظيمي، بل انعكاساً لنهج إماراتي أصيل، يقوم على الكفاءة والإنسانية معاً؛ فحين تسخّر الدولة إمكاناتها وطاقاتها لخدمة حجاجها بهذا المستوى الرفيع، فإنها لا تقدم خدمة عابرة، بل تقدم نموذجاً حضارياً يعكس قيمها أمام العالم. لقد كان الحاج الإماراتي يشعر بأنه لا يسير وحده، بل تحيطه رعاية وطن، واهتمام قيادة، وجهود رجال ونساء آمنوا بأن خدمة ضيوف الرحمن شرف ومسؤولية.

وفي كل مرة كنت أرى فيها انسيابية الحركة، أو سرعة الحلول، أو حرص الفرق الميدانية على متابعة الحجاج والاطمئنان عليهم، كنت أدرك أن خلف هذا المشهد عملاً عظيماً لا يُرى، لكنه يُشعر الإنسان بالأمان والسكينة في أكثر الرحلات روحانيةً وازدحاماً على وجه الأرض. إن الكلمات قد تعجز أحياناً عن وصف الامتنان، لكن ما يمكن قوله بكل صدق: إن دولة الإمارات ومكتب شؤون حجاج الإمارات قدما صورة مشرّفة ومضيئة، تؤكد أن خدمة الحاج ليست عملاً موسمياً، بل قيمة إنسانية وحضارية متجذرة في هذا الوطن.حفظ الله الإمارات وقيادتها، وبارك في كل يدٍ عملت بإخلاص لتبقى رحلة الحج رحلةَ إيمانٍ وطمأنينةٍ وكرامة.

*رئيس قسم اللغة العربية- جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.