يعتمد الأميركيون على شبكة السكك الحديدية الوطنية بنفس القدر الذي يعتمدون به على شبكات الاتصالات اللاسلكية لربط المجتمعات والحفاظ على استمرارية الاقتصاد. إلا أن لكل قطاع بصمته الخاصة على الخريطة، مما يؤدي إلى نتائج مختلفة تماماً، وقد حان الوقت لكي تلحق خطوط السكك الحديدية بركب سوق الاتصالات اللاسلكية.

وعلى مدى العقود الماضية، حول الاستثمار الخاص شبكات الاتصالات اللاسلكية الأميركية إلى نظام متكامل على مستوى البلاد. وفي المقابل، لا يزال قطاع الشحن بالسكك الحديدية، المعتمد على شبكة واسعة النطاق تمتد عبر مناطق زمنية وتضاريس ومجتمعات مختلفة، يعتمد على مجموعة مجزأة وغير فعالة من مزودي الخدمة. وبينما يستطيع عميل خدمة الاتصالات اللاسلكية السفر من واشنطن العاصمة إلى لوس أنجلوس من دون انقطاع الخدمة، لا يستطيع عميل الشحن بالسكك الحديدية نقل البضائع من الساحل إلى الساحل من دون المرور بشبكة لوجستية معقدة. وغالباً ما يتعين نقل الشحنات بين شركات متنافسة، مما يُسبب تأخيرات مكلفة وعدم استقرار يضر بسلسلة التوريد، وقد يُعرض البضائع للخطر أحياناً.

ولا تقتصر المخاطر على الكفاءة فحسب، ففي السنوات الأخيرة، كشفت اضطرابات سلسلة التوريد عن هشاشة نظام الشحن أمام التأخيرات والاختناقات. فمن تراكم الشحنات خلال الجائحة إلى الظواهر الجوية المتطرفة، يُمكن أن تُسبب الاضطرابات، حتى البسيطة منها، إلى تداعيات واسعة النطاق على مختلف القطاعات. ويُرجح أن توفر شبكة سكك حديدية أكثر تكاملاً قدراً أكبر من المرونة والبدائل التشغيلية، مع السماح بمرور البضائع بسرعة أكبر عبر نقاط الاختناق، وأن تساعد على استقرار مواعيد التسليم للمصنعين وتجار التجزئة والمستهلكين. ويبدو أن الاندماج المُقترح بين اثنتين من أكبر أربع شركات شحن في البلاد، وهما «يونيون باسيفيك» و«نورفولك ساوثرن»، خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح. وتدير «يونيون باسيفيك» أكثر من 32 ألف ميل من خطوط السكك الحديدية، أغلبها في غرب نهر المسيسيبي. وتخدم شبكة خطوط السكك الحديدية التابعة لشركة «نورفولك ساوثرن»، والتي يبلغ طولها 19 ألف ميل، في الغالب الثلث الأكثر كثافة سكانية من البلاد شرق نهر المسيسيبي.

ومن خلال دمج خطوطها، سينشئ أول نظام سكك حديدية عابر للقارات، موفراً خدمة خط واحد من الساحل إلى الساحل. ومن شأن توحيد شبكة السكك الحديدية الأميركية أن يبسط عمليات النقل، ويخفف الاختناقات، ويخفض التكاليف على الشركات والمستهلكين. ويتوقع المحللون أن يؤدي الاندماج إلى تقليص زمن نقل البضائع بين الساحلين بما يصل إلى يومين، من خلال إلغاء محطات التبادل ومنح الشاحنين إمكانية الوصول المباشر إلى أسواق لا يمكن الوصول إليها حالياً إلا عبر محطات متعددة. وتُعد تلك ميزة تنافسية في مواجهة وسائل النقل الأكثر هيمنة والأقل كفاءة في استهلاك الطاقة، مثل الشاحنات، وهي ميزة لا يمكن لأي قرار تنظيمي أن يحققها. كما أفادت صحيفة نيويورك تايمز العام الماضي بأن شبكة سكك حديدية موحدة يمكن أن تخفض التكاليف بنسبة تتراوح بين 10 و40%. وسيكون الكيان الجديد المندمج في وضع مثالي لمعالجة المشكلات العالقة، مثل الرسوم والموافقات الخاصة بمد كابلات الإنترنت أسفل خطوط السكك الحديدية في المواقع الرئيسة. كما سيُعزز ذلك أمان الشحن.

فقد ازدادت سرقة الشحنات بشكلٍ كبير خلال السنوات الأخيرة، حيث تشير البيانات الأولية إلى أن سرقة الشحنات عبر السكك الحديدية وحدها ارتفعت بنسبة 50% في عام 2025، حيث أبلغت شركات السكك الحديدية الكبرى عن 75 ألف حادثة أسفرت عن خسائر تجاوزت 200 مليون دولار. ومن خلال تقليل الحاجة إلى تفريغ وإعادة تحميل البضائع، ستُسهم الشبكة المتصلة في ضمان وصول المنتجات إلى وجهاتها بأمان وكفاءة.

وغالبًا ما يُثير منتقدو الاندماج مخاوف بشأن المنافسة، لكن الاندماج لا يؤدي بالضرورة إلى نتائج أسوأ. فقد تطورت صناعة الاتصالات اللاسلكية من عشرات شركات الاتصالات الإقليمية إلى عدد قليل من مزودي الخدمات على مستوى الولايات المتحدة. ومع ذلك، انخفضت الأسعار وتحسنت السرعات وجودة الخدمة.

والدرس المستفاد ليس أن قلة الشركات أفضل دائماً، بل إنه يجب التقييم بناء على ما إذا كان المستهلكون والشركات سيحصلون على خدمة أفضل. وكما أسهم الاستثمار في الاتصالات اللاسلكية في خلق فرص عمل، سيسهم اندماج شركتي «يونيون باسيفيك» و«نورفولك ساوثرن» في ذلك أيضاً. وقد تعهدت الشركتان بحماية وظائف النقابات العمالية الحالية «مدى الحياة»، كما تتوقعان توفير 1200 وظيفة إضافية في غضون ثلاث سنوات من إتمام الصفقة. وقد وافق مجلس النقل البري الفيدرالي مؤخراً على طلب الاندماج، مما أدى إلى بدء عملية تنظيمية تهدف إلى تحديد ما إذا كان الاندماج يخدم المصلحة العامة.

كما ينبغي على الجهات التنظيمية مراعاة المشهد التنافسي العالمي. فقد استثمرت دول أخرى، مثل كندا والبرازيل، بكثافة في أنظمة شحن حديثة ومتكاملة تنقل البضائع بشكل أسرع وأكثر كفاءة.

وإذا أرادت أميركا الحفاظ على قدرتها التنافسية في مجالات التصنيع والزراعة والتصدير، فلا يجب أن تعتمد على بنية سكك حديدية قديمة وغير متكاملة. لا يوجد عدد مثالي من المنافسين يضمن نتائج جيدة للمستهلكين. فالمهم هو مدى استجابة السوق لتقديم الخدمة المطلوبة. واليوم لا تملك الولايات المتحدة فرصة لإنشاء شبكة سكك حديدية متكاملة تمتد من الساحل إلى الساحل، تُلبي احتياجات مواطنيها. وينبغي على الجهات التنظيمية إدراك قيمة نظام وطني حقيقي، كما فعلت في قطاعات أخرى، بجانب الموافقة على اندماج شركتي «يونيون باسيفيك» و«نورفولك ساذرن».

*مفوض سابق في لجنة الاتصالات الفيدرالية الأميركية

*ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»