هناك سؤال يشبه أسئلة المسابقات يقول: أي ولاية أميركية هي الأفضل من حيث تحقيق رفاهية مضمونة لمواطنيها، وتوفير الصحة والتعليم والأمل لهم؟ إنها ليست من أغنى الأماكن للعيش من حيث نصيب الفرد من الدخل، والتي تشمل ولايات مثل كونيتيكت ونيويورك وواشنطن العاصمة. كما أنها ليست عاصمة التكنولوجيا العالمية، كاليفورنيا، وليست تكساس الصاخبة النابضة بالحياة، وليست فلوريدا أيضاً التي قد تجذب المتقاعدين.
غير أن دراسة جديدة كبرى وجدت أن مينيسوتا هي الولاية الأفضل في الولايات المتحدة من حيث جودة حياة سكانها، رغم أن البعض يرى أنها هادئة إلى حد الملل، ومعروفة بنهجها العملي وابتعادها النسبي عن الاستقطاب الأيديولوجي.
وصدرت الدراسة الجديدة عن مشروع «حالة الأمة»، بدعم من مجموعة خبراء من الحزبين السياسيين. ويستند تقييم العام الحالي إلى 31 معياراً، وقد أعده باحثون ومستشارون للرؤساء الخمسة السابقين، ومن بينهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
والخبر السيئ هو أن جميع أنحاء البلاد تقريباً حتى مينيسوتا يشهد تراجعاً في مستوى الرفاهية الشخصية والصحة النفسية وفقاً للتقارير. وبالمثل، تتضاءل ثقة الأميركيين بالمؤسسات، وبشكل عام، يزداد شعورهم بالتعاسة.
ويقول دوغلاس ن. هاريس، الخبير الاقتصادي بجامعة تولين، والذي يقود مشروع «حالة الأمة»: «إننا نواجه مشكلة وطنية». وأشار إلى أن مينيسوتا قد تكون ولاية نموذجية مقارنة بغيرها، لكنها، مثل بقية الولايات، تسير على خطى الاتجاهات الوطنية التنازلية في مجالات مثل الصحة النفسية والأطفال والأسر.
وأضاف هاريس أن هناك حالة من التراجع الموحد وواسع النطاق في مستوى الرفاهية، ولا توجد أي ولاية تُحقق نتائج باهرة فيما يتعلق بشعور المواطنين تجاه حياتهم، أو تجاه الآخرين، أو تجاه المؤسسات الرئيسية.
إلا أن هذا الاستياء يُمكن دافعاً للاحتفال بالذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة الشهر المقبل، ليس فقط بالاحتفالات، بل أيضاً ببذل جهد جاد قائم على الحقائق لتشخيص مكامن الخلل، وهو ما قد يُسهم فيه مشروع «حالة الأمة».
أما الولايات العشر الأولى من حيث الرفاهية في الدراسة، فهي بالترتيب: مينيسوتا، نيو هامبشاير، أيوا، فيرمونت، ماساتشوستس، نبراسكا، داكوتا الجنوبية، ويسكونسن، داكوتا الشمالية، ويوتا. وتحتل كاليفورنيا ونيويورك مرتبة متوسطة، أما فلوريدا وتكساس فهما أقل قليلاً من المتوسط.

وتتذيل لويزيانا القائمة، ولا تختلف عنها كثيراً نيومكسيكو، فرجينيا الغربية، نيفادا، ميسيسيبي، ألاباما، أوكلاهوما، كنتاكي، أركنساس، وكارولاينا الجنوبية.
وبشكل عام، تميل الولايات ذات الأداء الجيد إلى التواجد في نيو إنغلاند أو الجزء الغربي من منطقة الغرب الأوسط، وهي تتمتع بمستوى معيشي مزدهر. وتميل الولايات الجنوبية ذات الأغلبية الجمهورية إلى أن تكون أسوأ أداء، لكن الصورة ليست واضحة دائماً.
ويجب الاعتراف أيضاً بأن هذه دراسة واحدة تعتمد على بيانات بعضها ذاتي. وبالتالي فهي لا تقدم تقييماً نهائياً. لكن من المفيد أن يتفق خبراء «جمهوريون» و«ديمقراطيون» على صورة عامة للوضع الراهن. كما أنها توفّر ثلاثة دروس بالغة الأهمية:
إنفاق الأموال العامة، ولا سيما على التعليم، يحسّن نتائج المواطنين، لكن المهم ليس حجم الإنفاق وحده، بل كيفية إنفاقه أيضاً. فولاية مينيسوتا تحتل المرتبة الثالثة عشرة بين الولايات من حيث نسبة الدخل الشخصي المخصّصة لضرائب الولاية والسلطات المحلية، وفقاً لمركز السياسات الضريبية، لكنها تبدو قادرة على تحقيق عائد مرتفع من إنفاقها.
وتُجيد أميركا توليد الثروة، لكنها غير ماهرة في تحويلها إلى أمور يقدرها المواطنون. فعلى سبيل المثال، يوضح مشروع «حالة الأمة» أن أداء الولايات المتحدة أفضل من 98% من دول العالم في الناتج الاقتصادي، ومن 57% فقط في وفيات الأطفال، ومن 33% في الثقة في الديمقراطية، ومن 11% في مؤشرات الاكتئاب والقلق. وعلى الصعيد المحلي، تميل الولايات الغنية إلى التفوق على الولايات الفقيرة، لكن هذه العلاقة ضعيفة نوعاً ما. والأهم من النمو الاقتصادي هو تقاسم المنافع، ولا يبدو أن الولايات الأكثر ثراء تُحقق شعوراً أكبر بالرضا الشخصي.
ويُحسن الإنفاق الاجتماعي، لاسيما على التعليم، من نتائج المواطنين، ولكن الأهم هو كيفية إنفاق تلك الأموال. إذ تحتل مينيسوتا المرتبة الـ13 بين الولايات من حيث نسبة الدخل الشخصي المخصّصة للضرائب الحكومية والمحلية، وفقاً لمركز السياسة الضريبية، ولكن يبدو أنها تحقق عائداً مرتفعاً على إنفاقها.
أما الولايات الجنوبية ذات الأغلبية «الجمهورية» فنتائجها ضعيفة، لكن بعض الولايات الليبرالية الثرية أيضاً تأتي دون التوقعات. ففي بعض هذه الولايات، يبرع السياسيون في ترديد الشعارات أكثر من تنفيذ السياسات، إذ تتحوّل الشعارات أحياناً إلى بديل عن العمل. وفي المقابل، حققت ولايات «جمهورية» مثل ألاباما ولويزيانا وميسيسيبي تقدماً ملحوظاً في تحسين نتائج التعليم، أي أن ما يهم السكان هو التطبيق العملي والتنفيذ الدقيق أكثر من الشعارات والرؤى الطموحة.إلا أن الأمل لا يزال قائماً بأن تستغل الولايات المتحدة الذكرى الـ250 لتأسيسها لإجراء مراجعة جادة وصريحة لأوضاعها، والعمل بهدوء وواقعية على مواجهة التحديات وتضميد جراح الأمة.
*كاتب أميركي حاصل على جائزتي بوليتزر
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»