لماذا يُصنَّف سُرّاق المال العام في خانة «الفاسدين»، بينما يُشار إلى من يسرق الأفراد أو البيوت بـ«اللصوص»؟ مع أن الجريمة الأولى أشد خطراً وأوسع أثراً. فاللصُّ العادي قد يسرق لحاجة أو عوز، وإن كان فعله لا يُبرَّر، أما سارق المال العام فلا يسرق فرداً واحداً، بل يسطو على حقوق شعب بأكمله.
إن وصف هذه الجريمة بـ«الفساد» وحده يبدو، في الوعي العام، تخفيفاً لوقعها. فالفساد مصطلح فضفاض يضم أفعالاً كثيرة، بينما السرقة تسمية مباشرة لا لبس فيها. ولعل هذا ما يجعل بعض الناس يتعاملون مع اختلاس المال العام كأنه مجرد «ملف فساد» ينتهي بإعادة جزء مما أُخذ، لا جريمة سرقة مكتملة الأركان تستوجب المساءلة والعقاب.
في تسميته بالفساد، قد يُحتج ببيتين لنجديٍّ أكل الجراد زرعه: «مرَّ الجراد على زرعي فقلتُ له/ إياك إياك أن تعمل بإفساد/ فقام منهم خطيب فوق سمبلة/إنا على سفر لا بد من زاد» (الجاحظ، البيان والتبيين)، لكن ذلك لا يحتج به، لأن تبرير الجراد يعطيه الحق وهو جوع المسافر.
واللافت أن التراث العربي كان أكثر صراحة في تسمية الأفعال بأسمائها. فقد عرفت العربية عشرات الألفاظ التي تصف اللصوص وأحوال اللصوصية، ومنها ما ينطبق على سرقة أموال الدولة والأموال المحصّنة، ومع ذلك لم يُطلق على أصحابها وصف «الفاسدين»، بل سُمّوا مباشرة: لصوصاً وسراقاً.
وفي كتاب «فقه اللغة»، جمع أبو منصور الثعالبي أسماء متعددة للّصوص بحسب تخصصاتهم وأحوالهم، فالسارق هو من يسرق من الأماكن المحصّنة، وخزائن الدولة من جملة تلك الأماكن. وهناك القضاف، سارق النقود، والطرار الذي يشق الجيوب ويسرق ما فيها، والعمرُوط وهو أخبث اللصوص، والشِّص الذي يراقب ويكون عيناً للّصوص، والطِّمل، وهو اللص الخبيث، إلى جانب أسماء كثيرة أخرى تدلُّ على دقة العرب في توصيف الجريمة ومرتكبها.
ولشيوع ظاهرة اللصوصية في المجتمعات القديمة، دخلت في أمثال العرب عبارات كثيرة، منها: «وقع اللص على اللص»، و«ما بقي من اللص أخذه العرّاف»، والمثل الأشهر: «خذ اللص قبل أن يأخذك».
إنّ سرقة المال العام ليست مجرد فساد إداري أو مالي، بل هي، في جوهرها، لصوصية كبرى، لأنها تستهدف حقوق الناس جميعاً. لذلك، فإن تسمية الأشياء بأسمائها ليست مسألة لغوية فحسب، بل هي أيضاً موقف أخلاقي وقانوني. ومن يسرق أموال الشعب ليس فاسداً فقط، بل هو قبل كل شيء: لصُّ سرق شعباً بأكمله.
هذا، وللصوص على مختلف اختصاصاتهم، حسب نوع السرقة والأسلوب، رؤساء، وفي هذه الحملة الأولى من نوعها، إذا أعطت ثمارها، دون مماطلات وتبريرات، تقدمت الكتل السياسية كافة بالدعم لها، لكن هل كان الفساد مخفيّاً على رؤسائها؟ أم كان سبقاً لإشهار البراءة مما حصل مِن قبل أعضائها؟ ولا قيمة للحرب على السرقات أو مثلما عُدّ باسم «الفساد»، الذي بدأ بصغار المرتكبين ونجى الكبار. مِن جهة أخرى، اللصوصية، في الدولة العراقية بعد 2003 لم تقتصر على الأموال (النقود)، التي منها أُحرق في التنانير، ومنه دُفن تحت الأرض، إنما السرقات في العقارات والهيمنة على الأراضي كان أكثر بكثير من النقود، كذلك لا يُغفل الفساد في بيع وشراء مناصب الدولة، وربما يكون ذلك أُسّاً للّصوصية.إنّ جرائم لصوصية واختلاسات كبرى، لا تضيع في مصطلح فضفاف «الفساد»، ليس من عقوبة على ارتكابه سوى ردّ ما سرق أو اختلس، بينما كل خسائر الدولة، وسوء الخدمات، وكوارث من التفجيرات والحرب الطائفية بين الجماعات المسلحة، وتهجير فئات من الشعب العراقي، طمعاً بأموالهم غير المنقولة، هي مِن كوارث ما سميتموه فساداً، وهو اختلاس شعب ودولة، فسمّوا الأشياء بأسمائها. 


*كاتب عراقي