رغم أن تدفق الأموال إلى السياسة الأميركية يُلحق الضرر بالعملية الديمقراطية، فإن الوضع يتّجه نحو المزيد من التدهور.
فقد أصدرت المحكمة العليا، الثلاثاء الماضي، قراراً بأغلبية ستة أصوات مقابل ثلاثة، يقضي بإلغاء القيود المفروضة على الإنفاق الانتخابي للأحزاب السياسية بالتنسيق مع المرشحين، وهو قرار يزيد الجدل الذي أثارته قضية «مواطنون متحدون ضد لجنة الانتخابات الفيدرالية». من دون تلك القيود، يستطيع المانحون فاحشو الثراء، وبالتالي جماعات المصالح الخاصة كصناعات الأسلحة والعملات المشفرة، شراء معاملة تفضيلية من المسؤولين المنتخبين، مما يُضعف مبدأ «صوت واحد لكل ناخب» المُقدس في الدستور الأميركي.
وحتى تتمكّن من إصدار الحكم، واصلت المحكمة نهجها في تقويض السوابق القضائية، بعدما ألغت حكماً سبق أيد هذه القيود عام 2001.
ورفعت القضية، المعروفة باسم «اللجنة الوطنية الجمهورية لمجلس الشيوخ ضد لجنة الانتخابات الفيدرالية»، جماعات وأفراد من الحزب «الجمهوري»، من بينهم نائب الرئيس جيه دي فانس عندما كان عضواً في مجلس الشيوخ عن ولاية أوهايو. واعتبر المدعون أن قانون الحملات الانتخابية الفيدرالية لعام 1972، الذي فرض القيود، ينتهك الحقوق التي يكفلها التعديل الأول للدستور الأميركي في حرية التعبير وحرية تكوين الجمعيات، لأنه يمنع اللجان الحزبية الوطنية ولجان الولايات من تنسيق الرسائل الإعلانية مع المرشحين الذين يدعمونهم.
وتسمح القوانين الحالية للأحزاب السياسية الوطنية بإنفاق مبالغ طائلة مرشحين بعينهم، تصل إلى نحو 130 ألف دولار لمرشحي مجلس النواب وأكثر من 4 ملايين دولار لمرشحي مجلس الشيوخ. لكن الآن، رفضت أغلبية القضاة أي قيود على هذا الإنفاق.
ولطالما رأت المحكمة العليا أن القوانين التي تقيّد حتى الحقوق الدستورية جائزة، إذا استوفت معيار «التدقيق الصارم»، الذي يشترط أن تحقّق القيود مصلحة حكومية ملحة، وأن تكون محددة بدقة في ذلك.
لكن القضاة رأوا أن قانون تمويل الحملات الانتخابية، الذي مضى على إقراره 54 عاماً، لم يستوفِ هذا الشرط، وأن قيود التنسيق غير مسموح بها لأنها «تُعيق أساليب التواصل التقليدية للأحزاب، كالإعلانات، وتمنعها من إيصال صوت أنصارها، وتفرض أعباء مالية إضافية عليها، وتُعيق قدرتها على أداء رسالتها».
وكانت اللجنة الوطنية «الجمهورية» لمجلس الشيوخ قد جادلت بأن هدف قانون الحملات الانتخابية الفيدرالية، وهو الحد من تأثير المال في السياسة - غير مبرر، وأن الأساس الوحيد للقيود الدستورية هو منع الفساد القائم على المقايضة، أي دفع المال مباشرة مقابل إجراءات رسمية. وزعم الطاعنون أن قرار إلغاء القيود سيعزّز الشفافية في تمويل الحملات الانتخابية، ولن يحتاج كبار المانحين إلى توجيه تبرعاتهم عبر لجان العمل السياسي المستقلة، غير المُلزَمة بالكشف عن قوائم المتبرعين، بل سيتبرعون مباشرة للأحزاب، الملزمة بذلك.
ومنذ الحكم في قضية «مواطنون متحدون ضد لجنة الانتخابات الفيدرالية» عام 2010، التي اعترفت بالإنفاق السياسي من قبل الشركات والنقابات كشكل من أشكال حرية التعبير، تعاظم نفوذ كبار المانحين في الانتخابات الأميركية. ففي عام 2024، أنفقت لجان العمل السياسي المستقلة أكثر من 2.6 مليار دولار على الانتخابات. وتبرع إيلون ماسك الرئيس التنفيذي لشركات التكنولوجيا وحده بأكثر من 240 مليون دولار إلى لجان مؤيدة لترامب.
وفي المقابل، جادلت اللجنة الوطنية «الديمقراطية»، بصفتها طرفاً في القضية، بأن الإنفاق المنسق غير المحدود من شأنه أن يُقوض فعلياً القيود المفروضة على التبرعات. ولأن المال قابل للاستبدال، فإن دفع نفقات المرشح يُعد بمثابة تقديم نقدي له، مما يُضعف أي قيود على التبرعات.
ويرى القضاة المعارضون أن الحكم يفتح الباب أمام الفساد الذي صُمم القانون لمنعه، لأنه يسمح للمانحين بالالتفاف على حدود التبرعات عبر تقديم أموال للأحزاب لتمويل حملات المرشحين بدلاً من التبرع لهم مباشرة.
وكانت هذه النتيجة متوقعة منذ أن وافقت المحكمة العليا على نظر القضية العام الماضي. فالمحاكم الأدنى رفضت الطعن استناداً إلى حكم صادر عام 2001 أيّد القيود المفروضة، دون حاجة المحكمة العليا للنظر في قضية لمجرد اتباع سابقة قضائية، بل نقضتها.
وعندما أقرّ الكونجرس قانون الحملات الانتخابية الفيدرالية عام 1972، كان هدفه الحد من تأثير المال في السياسة، لحماية الناخبين العاديين من هيمنة كبار المانحين الأثرياء. لكن بعد إضعاف أحد أهم البنود، امتلك أصحاب الثروات القدرة على إغراق وسائل الإعلام بالدعاية لمرشح بعينه، حتى وإن تعارضت مصالحهم مع مصالح الشعب الأميركي.وفي ظلّ رفض المحكمة السماح حتى بقيود معقولة على الإنفاق الانتخابي المنسق، فهل يبقى مستغرباً أن تميل السياسة الأميركية إلى خدمة الأثرياء وأصحاب النفوذ؟
*أستاذة بكلية الحقوق جامعة ميشيغان، ومدعية عامة سابقة.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»