تسببت موجة حر شديدة اجتاحت أوروبا في ارتفاع حاد في عدد الوفيات في أنحاء القارة، بعدما تجاوزت درجات الحرارة 100 درجة فهرنهايت خلال الأسابيع الأخيرة. ففي فرنسا، أعلنت السلطات تسجيل ما لا يقل عن 2000 وفاة إضافية خلال أسبوع واحد، بينما سجلت ألمانيا أكثر من 5000 وفاة زائدة منذ بداية العام.
لكن رغم هذا الارتفاع في الوفيات، لا يزال الأوروبيون يقاومون التكنولوجيا الوحيدة القادرة على إنقاذ حياتهم، وهي أجهزة تكييف الهواء.
ويُعد تكييف الهواء أحد أهم ابتكارات الحضارة الحديثة، رغم أنه لا يحظى بالتقدير الذي يستحقه. فقد قدرت دراسة للمكتب الوطني الأميركي للبحوث الاقتصادية أن انتشار أجهزة التكييف أدى إلى انخفاض الوفيات المرتبطة بالحر بنحو 75% خلال القرن الـ20. لكن صنّاع السياسات في أوروبا أحبطوا انتشار هذه التكنولوجيا عبر الضرائب واللوائح، مع رفضهم المستمر الاعتراف بفوائدها.
وكانت النتائج مأساوية. فوفقاً لمنظمة الصحة العالمية، تودي موجات الحر بحياة أكثر من 175 ألف أوروبي سنوياً، ولا يملك 80% من سكان القارة أجهزة تكييف، بينما تبلغ هذه النسبة في الولايات المتحدة نحو 90%.
وتتخذ القيود المفروضة على استخدام أجهزة التكييف في أوروبا أشكالاً متعددة. إذ تسببت اشتراطات الحصول على موافقة هيئة حماية التراث، والتي تفرضها في دول مثل النمسا وألمانيا والمجر، وكانت قد وُضعت أساساً لحماية المباني التاريخية، في تأخير تركيب أجهزة التكييف حتى في المباني غير التاريخية. كما تشترط عدة دول الحصول على موافقة جهات مماثلة لاتحادات ملاك العقارات، أو تفرض قيوداً على الضوضاء تزيد من تكاليف الامتثال والإجراءات الورقية.
وفي جنيف، يتطلب تركيب أجهزة التكييف ترخيصاً، ويتعين على السكان إثبات حاجتهم إليه، عادةً بتقديم شهادة طبية. وتفرض سلوفاكيا عمليات تفتيش دورية لأجهزة التكييف، مما يُصعب الامتثال للوائح. وترفض مجالس التخطيط المحلية في بريطانيا بانتظام طلبات تركيب أجهزة التكييف، مُعللة ذلك بضرورة الحد من الضوضاء والحفاظ على جماليات المجتمع.
وحتى بين الأقلية الأوروبية المحظوظة التي تتمتع بتكييف الهواء، يُجبر بعضهم على التخلي عنه. ففي بريطانيا، حيث لا تتجاوز نسبة المنازل المجهزة بتكييف الهواء 3%، أجبرت القوانين التي تقيد تقنية «التبريد النشط» بعض أصحاب المنازل على إزالة أنظمة التكييف.
ورغم أن السلطات المحلية تُقدم أسباباً عديدة لمعارضة تركيب أجهزة التكييف، فإن الحملة الأوروبية الأوسع نطاقاً ضدها تعود في معظمها إلى الاعتقاد بأن هذه التقنية رفاهية تستهلك كميات هائلة من الطاقة ويُهدرها.
ولكن مع تزايد قلق الدول الأوروبية بشأن استهلاك الطاقة، أصبحت أنظمة التكييف الحديثة أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة. وتشير إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أنه رغم ازدياد نسبة المنازل الأميركية المزودة بمكيفات الهواء، فقد انخفض متوسط استهلاك الطاقة المنزلية، ويعود ذلك جزئياً إلى «تحسين كفاءة أجهزة التبريد».
كما غذى الخوف من مكيفات الهواء في أوروبا حالة من الهلع الصحي غير المبرر. فخلال موجة حر عام 2022، قالت إحدى الفرنسيات إن مكيف الهواء «يُمرض ويُسبب الصداع». وزعم السياسي الفرنسي اليساري جان لوك ميلانشون أن مكيف الهواء «يُدمر الجيوب الأنفية».
وقالت وسائل الإعلام الأوروبية، وجماعات حماية المستهلك، وحتى الحكومة الفرنسية، إن تبريد الغرفة لأقل من 15 درجة مئوية عن درجة الحرارة الخارجية قد يُسبب «صدمة حرارية». ويقولون إن هذه الحالة تُسبب الغثيان والإغماء أو حتى توقف التنفس. ومن الغريب أن ذلك المرض غائب عن الولايات المتحدة، حيث تُحافظ درجات الحرارة الداخلية غالباً على حوالي 75 درجة مئوية حتى عندما تصل درجة الحرارة الخارجية إلى 38 درجة مئوية.
ويتجاهل معارضو أجهزة التكييف دروس التاريخ بما يعرضهم للخطر، وظل التخلص من حرارة الصيف اللاهبة أمراً صعب المنال في أوائل العصر الحديث. وقد لاحظ الطبيب الإنجليزي جورج موذربي، في القرن الـ18، أن «التعرض لأشعة الشمس الحارقة غالباً ما يُسبب التهاباً قاتلاً سريعاً». وقد أوصى بعلاج كان يُعتبر في التاريخ علاجاً شائعاً لكل داء يُسمى الفصد، وهو إجراء طبي لسحب كمية من الدماء من الوريد.
غير أن العلم الحديث تطوّر، ليس في الطب فحسب، بل باتت البشرية تعرف كيف تبرد المباني بالتكنولوجيا، وتدرك أن أفضل طريقة لعلاج ضربة الشمس هي التبريد السريع، وليس الفصد.إلا أن معارضي أجهزة التكييف يتوهمون أنهم يقودون البشرية نحو مستقبل أكثر حكمة واستدامة، لكن التخلي عن أجهزة التكييف ليس سوى رفض للتخلي عن ماضٍ كانت فيه حرارة الصيف تقتل البشر.
* باحثة في مركز الحرية والازدهار العالميين بمعهد «كاتو»
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشنش


