في مارس 2023، طرحت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، استراتيجيةً للتعامل مع السياسات التي تنتهجها الصين، وأكدت أن على أوروبا «تقليل مخاطر» اعتمادها على هذا العملاق الاقتصادي من خلال توحيد الجهود وتطوير بدائل محلية.
وبعد ثلاثة أعوام، لا يزال خفض المخاطر المرتبطة بالقوى العظمى يمثل التحدي الرئيسي أمام أوروبا، لكن الولايات المتحدة حلّت محل الصين كأول مصدر للقلق. وبينما يسعى القادة الأوروبيون علناً إلى تهدئة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يعمل صنّاع القرار بهدوء على تقليص اعتمادهم الممتد لعقود على الولايات المتحدة، عبر تعزيز صناعات الدفاع والطاقة والتكنولوجيا، وتنويع شراكاتهم مع دول أخرى. وبرزت هذه الديناميكية خلال قمة حلف شمال الأطلسي «الناتو» الأخيرة في العاصمة التركية أنقرة، بعدما جدد ترامب تهديداتِه لحليفتي بلاده الدنمارك وإسبانيا.
ولا تقتصر محاولات الابتعاد عن واشنطن على أوروبا، إذ يسلك شركاء أميركا في آسيا والشرق الأوسط النهجَ نفسَه تقريباً. فقد دفعت سياسات إدارة ترامب الثانية دولا عديدةً إلى محاولة تقليص ارتباطها بأقوى دول العالم، التي لطالما وصفت نفسَها بـ«الدولة التي لا غنى عنها»، حيث كثيراً ما سعت الدول لإبرام عقود للحصول على الحماية العسكرية الأميركية الجبارة، والوصول إلى أسواقها وتقنياتها.. مما أفاد اقتصادَ الولايات المتحدة وأمنها القومي. وفي ظل احتدام المنافسة مع الصين حالياً، فإن تآكل الشراكات الرئيسية يُضعِف التفوق العسكري لأميركا وريادتها التكنولوجية، ويحُد من قدرتها على مواجهة المزايا الصناعية الصينية.
وترى إدارة ترامب أن اعتماد الدول على نفسها أمر إيجابي يمنح أميركا فرصةً للتركيز على مصالحها. لكن في عالم تستخدم فيه القوى الكبرى اعتمادَ الدول الأصغر عليها كورقة ضغط، ويغدو الاكتفاء الذاتي مصدراً للقوة، بدأ التوجه العالمي لتقليص الاعتماد على الولايات المتحدة يلحق الضررَ بالأميركيين فعلاً. وتتضح هذه الكُلفة في الحرب الحالية ضد إيران، وهي الأولى التي تخوضها الولاياتُ المتحدة من دون تنسيق دبلوماسي أو عسكري مع أقرب حلفائها في أوروبا وآسيا. وقد أدت إلى ارتفاع أسعار الغاز والأسمدة، وكبدت المستهلكين الأميركيين خسائرَ بلغت 132 مليار دولار.
ورغم زيادة أوروبا إنفاقَها العسكري بنسبة 14% إلى 864 مليار دولار عام 2025، تراجعت مشترياتها من الأسلحة الأميركية إلى نحو النصف. كما تدفع سياساتُ ترامب المتعلقة بالهجرة دولاً أخرى إلى الابتعاد عن أميركا، حيث انخفض عدد زوّارها بنحو 4 ملايين عام 2025 مقارنةً بعام 2024، مما كلّف الاقتصادَ الأميركي أكثر من 8 مليارات دولار.
كذلك تراجعت أعدادُ الطلاب الدوليين في الجامعات الأميركية بنسبة 17% خلال الخريف الماضي، مما ألحق بهذه الجامعات خسائرَ لا تقل عن مليار دولار، وقد يَحرم البلادَ مستقبلاً من مئات مليارات الدولارات. وبينما يفكر ترامب في ضم كندا لتصبح الولاية الـ51، شرعت أوتاوا في بناء «شراكة استراتيجية جديدة» مع بكين، وفتحت سوقَها لأول مرة أمام 50 ألف سيارة كهربائية صينية، وانضمت إلى صندوق دفاع أوروبي يزيد على 150 مليار دولار يهدف إلى كسر التبعية لصناعة الدفاع الأميركية. وفي شرق آسيا، أدت سياسات ترامب إلى إعادة تقييم حلفاء واشنطن لعلاقاتهم معها.
فاليابان تجري إصلاحاً شاملاً لتطوير قدراتها الهجومية، بينما تحلّ شركات المقاولات الكورية الجنوبية محل شركات بيع الأسلحة الأميركية في جميع أنحاء العالم. كما تعزز الهندُ علاقاتِها التجارية مع أوروبا والشرق الأوسط، وحتى مع الصين، حيث بدأت تدرس بدائلَ صينية ومحلية من نماذج الذكاء الاصطناعي، وسط دعوات داخلية إلى تطوير نماذجها الخاصة. بل وبدأت العواصمُ الأوروبيةُ نقاشاتٍ كانت تُعتبر في السابق غير واردة، حيث يضع مسؤولون أوروبيون بهدوء خططاً لمواجهة احتمال نشوب حرب تجارية شاملة مع واشنطن، قد تشمل عرقلة وصول شركات التكنولوجيا الأميركية إلى السوق الأوروبية الضخمة، وتقييد مدخلات رئيسية مثل معدات تصنيع أشباه الموصلات. إلا أن الحديثَ حول عدم الاعتماد على أميركا بدأ قبل تولي ترامب ولايتَه الثانية، فقد استاء شركاءُ واشنطن خلال السنوات الأخيرة من سياسات اعتبروها انتهاكاً لسيادتهم ومصالحهم، مثل العقوبات المرتبطة بالمشاريع الجيوسياسية، وبنود قانون خفض التضخم الذي منح الشركات الأميركية دعماً حكومياً، وقيود تصدير أشباه الموصلات المتقدمة.
غير أن كل ذلك قد يعود بالفائدة على واشنطن، فزيادة القدرات الدفاعية الأوروبية قد يوفّر موارد أميركية. كما تثير حربُ إيران الحالية نقاشاً في واشنطن والشرق الأوسط حول تقليص الوجود العسكري الأميركي في المنطقة. كذلك يُقر عددٌ متزايد من كبار «الديمقراطيين»، وحتى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على مضض، بضرورة عدم اعتماد إسرائيل على مليارات الدولارات من المساعدات العسكرية الأميركية السنوية غير المشروطة. لقد بدأت تكلفةُ ابتعاد العالم عن الولايات المتحدة تَظهر بالفعل، بينما ستظهر آثارٌ أخرى تدريجياً. ورغم أن الحلفاء كانوا محقين في عدم المشاركة في حرب إيران، فإن تزايد عزلة واشنطن يضعف قدرتَها على ردع الصراعات المستقبلية.
وفي ظل غياب شريك بديل واضح، ستتجه أغلبُ الدول إلى تقليص اعتمادها على الولايات المتحدة تدريجياً، لا إلى فك الارتباط الفوري معها.ومع سعي شركاء الولايات المتحدة إلى تعزيز استقلالهم عنها، يتعين على الإدارات الأميركية المقبلة وضعَ خطط لتجنُّب قطيعة أعمق. فالرئيس الذي سيخلف ترامب سيتولى السلطةَ في عالم تسعى فيه الدولُ إلى تحقيق أكبر قدر من الإنجازات دون الاعتماد على واشنطن. والخطوة الأولى للتعامل مع تلك التداعيات هي إدراك مدى التغير الذي طرأ على العالم، ومدى استمرار هذا التغير.
*زميل بارز في كلية الحقوق بجامعة يل الأميركية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن


