شهدت أسعار المنازل في جزيرة نانتوكيت بولاية ماساتشوستس الأميركية ارتفاعاً هائلاً، حيث بلغ متوسط سعر المنزل نحو 4 ملايين دولار، مقارنةً بـ500 ألف دولار فقط في عام 1995. ويبدو ذلك قفزة استثنائية في واحدة من أكثر أسواق العقارات سخونةً وصعوبة على قدرات المشترين في الولايات المتحدة. لكن أداء سوق الأسهم كان أكثر إدهاشاً  فاستثمار 500 ألف دولار في مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» عام 1995 كان سيبلغ اليوم أكثر من 8.2 مليون دولار، بل وأكثر إذا أُعيد استثمار توزيعات الأرباح.
ومن الواضح أن الأسهم كانت الاستثمار الأفضل، حتى في الوقت الذي أصبحت فيه المنازل بعيدة المنال للكثير من الأميركيين. ولذلك، غريباً أن يفضل الشباب اليوم استثمار أموالهم في الأسهم بدلاً من دفع مقدم لشراء منزل، كما فعلت أجيال متعاقبة في نفس أعمارهم.
ويمثل ذلك تحولاً ثقافياً كبيراً، إذ ظل امتلاك منزل دليلاً على النجاح، وكانت النصيحة التقليدية تقضي بشراء منزل بمجرد القدرة على تحمل تكلفته. وأوحى تراجع قدرة الشباب على شراء المنازل بوجود خلل في الاقتصاد. لكن ربما أصبحت سوق الأسهم ببساطة استثماراً أفضل في عالم تقوده التكنولوجيا، لاسيما الشباب في بداية حياتهم، الذين يرغبون الانتقال خلال السنوات الخمس المقبلة، ولا يملكون ثروة كبيرة. وإذا كان الأمر كذلك، فقد يتشكل نمط جديد لدى جيل الإنترنت، يصبح فيه الاستثمار في الأصول غير الملموسة بدلاً من العقارات هو الحلم الأميركي الجديد. فالمنازل مكان جيد للعيش، لكنها ليست بالضرورة أفضل مكان لاستثمار الأموال.

وفي الماضي، كانت العقارات هي الأصول الأساسية التي يمتلكها معظم الأميركيين. وكان امتلاك منزل هو الهدف المالي الأسمى، مدفوعاً بقناعة راسخة بأن أسعار العقارات ترتفع دائماً. ولم تكن هذه الفكرة خاطئة تماماً، فقد كان السكن الاستثمار الأفضل حتى الحرب العالمية الثانية. ورغم أن الأسهم تفوقت على العقارات في العوائد الفعلية خلال حقبة ما بعد الحرب وحتى عام 2015، إلا أن الأسهم كانت أكثر تقلباً ومخاطرة، مما جعل العقارات خياراً ممتازاً وآمناً عند حساب تلك المخاطر.
ولم يكن تعظيم امتلاك منزل لأسباب مالية فحسب، بل لأسباب ثقافية أيضاً. فالامتلاك يُنظر إليه كجزء أصيل من الحلم الأميركي، كما أن شعور الاستقرار الذي يمنحه يسهم في بناء الأحياء والمجتمعات. ولهذا السبب، تشجع الحكومة الأميركية العائلات على الشراء عبر سياسات تشمل الخصومات الضريبية على فوائد القروض العقارية، والدعم الحكومي الذي يتيح خيار «التمويل العقاري ذي الفائدة الثابتة لمدة 30 عاماً»، وهو نظام استثماري استثنائي لا تجده في دول أخرى.غير أن العقد الماضي قلب كثيراً من المُسلمات. فقد حققت الأسهم عوائد تفوقت بفارق كبير على العقارات، بينما أدى الارتفاع الحاد في أسعار المساكن خلال جائحة كورونا، إلى جانب ارتفاع أسعار الفائدة على الرهن العقاري، إلى حرمان كثيرين من تحقيق الحلم الأميركي. كما تغيرت الأعراف الاجتماعية؛ إذ أصبح من المقبول أكثر أن يعيش الشباب مع والديهم لتوفير المال، وهو ما يفعله اليوم نحو نصف الشباب دون سن الثلاثين.
ووجد الشباب أنفسهم خارج سوق الإسكان، رغم أن أوضاعهم المالية تبدو، على الورق، أفضل من أوضاع الأجيال السابقة في العمر نفسه. وأظهر استطلاع حديث أن أقل من ربع من تقل أعمارهم عن 39 عاماً يرون أن العقارات استثمار جيد.

وباتت نسبة أكبر من ثروة الأسر الأميركية تتركز في الأسهم بدلاً من العقارات، بفضل صعود سوق الأسهم واتساع قاعدة المستثمرين فيها. كما يشير تقرير حديث عن بناء الثروة أن الاستثمار في الأسهم هو الخيار الأفضل. وفي ظل غياب رسوم جمعيات ملاك المنازل، وتكاليف الصيانة، إلى جانب العوائد القوية للأسهم، تبدو وجهة نظرهم منطقية.
ولا يتوقف الأمر عند ذلك، فكثيرون يقترضون مبالغ كبيرة للاستثمار في أصل واحد ترتبط قيمته بسوق العمل المحلية. كما أن العقارات من الأصول منخفضة السيولة، أي يصعب تسييله وبيعه بسرعة، ما يجعل الانتقال إلى مدينة أخرى من أجل فرصة عمل خياراً أكثر تعقيداً. وقد يؤدي الارتباط بمنزل إلى الحد من فرص زيادة الدخل، لاسيما إذا كنت في مقتبل العمر.
إلا أن هناك مزايا لامتلاك منزل تتجاوز مجرد ارتفاع سعره، فالملكية تجعل العائلات تشعر بالانتماء أكثر لبيوتها ومجتمعاتها، مما يحفزها على العمل لتحسين كليهما. كما أن امتلاك منزل يمنحك «عوائد أرباح» ملموسة تتمثل في وجود مكان تعيش فيه؛ فإذا كنت مستأجراً، فسيتعين عليك دفع هذه العوائد للمالك.
ومع ذلك، فإن القناعة بأن امتلاك منزل هو الهدف المالي الأسمى قد لا تصمد أمام العوائد الاستثنائية التي حققتها الأسهم على مدار الـ30 عاماً الماضية. إذ يعني امتلاك الأسهم أنك تمتلك حصة في أفضل الشركات الأميركية، بدلاً من امتلاك قطعة أرض مادية في البلاد. والمسألة هنا لا تتعلق بضعف أداء العقارات، بقدر ما تتعلق بالنمو الاستثنائي المتسارع الذي شهدته أسعار الأسهم.
لكن هذا النمو غير المسبوق يظل حالة استثنائية في التاريخ. فقد يعكس تحولاً مستداماً في قدرات الصناعة الأميركية وربحيتها، ما يسمح باستمرار هذا الأداء القوي لعقود أخرى. وربما يكون مجرد استثناء عابر، فتعود الأسهم إلى معدلات عائد أكثر طبيعية، أو تتعرض لانهيار يقود إلى سنوات طويلة من النمو الضعيف، كما حدث في اليابان من قبل.
لقد كان هناك وقت بدا فيه أن شراء منزل سيحقق أرباحاً مهما بلغ حجم الديون المترتبة عليه، وغالباً ما كان ذلك صحيحاً. لكن انهيار سوق الإسكان خلال الأزمة المالية العالمية بدد هذا الاعتقاد. واليوم يبدو أن الأسهم هي الاستثمار الأكثر أماناً. غير أن أحداً لا يعرف مستقبل أي فئة من الأصول عالية المخاطر، وكل ما نعرفه أن الأداء السابق لا يضمن العوائد المستقبلية.وفي الماضي، كانت النصيحة بسيطة: اشترِ منزلاً بمجرد أن تصبح قادراً على تحمل تكلفته. أما اليوم، فقد توجد بدائل أفضل، تعتمد على العمر والظروف المالية. وربما لم يعد امتلاك منزل قبل سن الأربعين هو الحلم الأميركي.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
*كاتبة متخصصة في الشؤون الاقتصادية، وزميلة بارزة بمعهد مانهاتن.