لم تكن إيران تحتاج إلى خسارة الإمارات كي تدرك قيمتها لاقتصادها. كان يكفي أن تنظر إلى تجارتها: نحو ثلث وارداتها يأتي عبر الإمارات، التي أبقت، رغم سنوات الخلاف والتوتر، الاقتصاد خارج دائرة المواجهة. وحين قرّرت القيادة السياسية الإماراتية وقف التعاملات التجارية والمالية، لم تكن تكشف عن قوة جديدة، بل تستخدم ورقة امتلكتها طويلاً وتعمّدت ألا تستخدمها. لكنها استخدمتها حين أصبح الامتناع عن استخدامها تفريطاً في مسؤولية حماية الوطن.
وهنا يظهر الفارق بين امتلاك القوة ومسؤولية استخدامها. فقد أبقت الإمارات التجارة والتواصل مفتوحين، وتمسّكت بالحوار وخفض التصعيد وحماية الملاحة، ولم تعتبر أن الشعب الإيراني ينبغي أن يتحمل تلقائياً تبعات سياسات قيادته. لكن ضبط النفس لا يمكن أن يتحول إلى ضمان دائم للطرف الآخر، مهما اتسعت دائرة الخطر. وفي أعقاب رصد صاروخين باليستيين قادمين من إيران في 18 أغسطس الماضي، وما مثّله ذلك من مساس بأمن الإمارات والملاحة في الخليج، أعلنت الدولة في اليوم التالي وقف جميع الأنشطة والتبادلات التجارية والمعاملات المالية مع إيران حتى إشعار آخر.
لقد أخطأت طهران حين تعاملت مع الانفتاح الاقتصادي الإماراتي وكأنه منفصل عن الأمن، فلا تجارة تستمر من دون ثقة، ولا يمكن لدولة أن تستفيد من موانئ جيرانها وأسواقهم واتصالهم بالعالم، ثم تفترض أن هذه المصالح ستبقى بمنأى عن سياسات تمسُّ أمنهم.
وكان لدى إيران الكثير مما يستحق الحفاظ عليه. فعلى مدى سنوات، شكّلت الإمارات إحدى أهم بوابات تجارتها واتصالها بالأسواق العالمية، بما وفّرته من قرب جغرافي وموانئ متقدمة وبنية لوجستية وشبكات واسعة لإعادة التصدير. ولم تكن قيمة هذا المسار في حجم التجارة وحده، بل في كفاءته وما أتاحه للاقتصاد الإيراني من اتصال بعالم ضاقت أمامه منافذ كثيرة. ولم يكن وقف هذه التعاملات بلا كلفة على الإمارات أيضاً.
فخلف حركة التجارة وإعادة التصدير مصالح اقتصادية وشركات وأعمال راكمتها سنوات من التبادل. وهذا ما يمنح القرار دلالة إضافية، فالحزم الذي لا يكلّف صاحبه شيئاً سهل، أما أن تقبل الدولة كلفة اقتصادية دفاعاً عن أمنها، فذلك يعني أن حماية الوطن تقدمت على حسابات المكسب. قد تجد إيران مسارات بديلة لبعض تجارتها، فقد راكمت خلال عقود العقوبات خبرة واسعة في التكيف.
لكن البديل قد يُبقي التجارة مستمرة من دون أن يحفظ كلفتها وكفاءتها. وكلما تعقّدت طرق التجارة والتمويل، انتقلت الكلفة في النهاية إلى السوق، وإلى الشعب الإيراني الذي يدفع أصلاً ثمن التضخم وضعف العملة وتراجع القوة الشرائية. للصاروخ، في الحقيقة، مساران. مسار ترصده أجهزة الرادار وينتهي حيث يسقط، ومسار آخر لا يظهر على الشاشات، يبدأ بعد سقوطه ويمتد إلى الثقة والأسواق والتجارة والاستثمار وقيمة العملة.
الأول قد يستغرق دقائق، أما الثاني فقد يستمر سنوات. وبين المسارين تكمن مسؤولية القيادة: ألا تحسب أين يصل سلاحها فقط، بل ماذا يعود منه على شعبها. وهنا يكمن جوهر المسألة. فما قيمة نفوذ يتسع في الخارج بينما تضيق خيارات الشعب في الداخل؟ هذه ليست دعوة إلى إفقار إيران، ولا خصومة مع الشعب الإيراني. فمصلحة الإمارات والخليج ليست في إيران مضطربة أو شعب أكثر فقراً، بل في دولة مستقرة توجّه مواردها إلى مستقبل شعبها، وتحترم سيادة جيرانها، وتسهم في أمن المنطقة بدلاً من استنزافه. والفارق الذي كشفته هذه الأزمة ليس بين من يملك القوة ومن يفتقدها، بل بين حسابين لاستخدامها.
بَنَت الإمارات اقتصادها وموانئها وصلاتها بالعالم من أجل الازدهار، وأبقت هذه القوة خارج المواجهة ما دام ذلك ممكناً، ثم قبلت كلفة استخدامها عندما أصبح أمنها يقتضي ذلك. أما القيادة الإيرانية، فانتهت حساباتها إلى خسارة منفذ اقتصادي كان من مصلحة إيران وشعبها الحفاظ عليه. فالدول تستطيع أن تحصي صواريخها وموانئها وأسواقها وأدوات نفوذها، لكن المقياس الأصعب للقوة يبقى واحداً: ماذا أضاف استخدامها إلى أمن شعوبها وازدهارها؟ ذلك هو الحساب الذي لا ينبغي لأي قيادة أن تخطئ فيه.
*كاتب وباحث إماراتي


