«الجميع كان ديغولياً، أو سيكون ديغولياً». نادراً ما بدت هذه العبارة الشهيرة لأندريه مالرو، الروائي والمغامر الفرنسي وأول وزير للثقافة في فرنسا، أكثر انطباقاً على الواقع مما هي عليه اليوم.
فعلى مدى الأشهر القليلة الماضية، اجتاح فرنسا ما يُطلق عليه المعلقون «الحنين الديغولي»، أي الحنين إلى شارل ديغول، بطل الحرب العالمية الثانية ورئيس فرنسا، الذي كان من الشخصيات النادرة التي تساوت حياتها مع الأسطورة التي أحاطت بها، حسبما أشار مالرو.
وزاد هذا الشعور مع طرح فيلم أنتونان بودري الناجح جماهيرياً هذا الصيف، «معركة ديغول»، وهو سيرة سينمائية من جزأين. عُرض الجزء الأول، «عصر الحديد»، قبل شهر من الجزء الثاني، «أكتب اسمك».
ورغم أن الفيلم لم يحقق في فرنسا نجاحاً جماهيرياً الصيف الحالي يضاهي فيلم كريستوفر نولان «الأوديسة»، الذي حقق ما يقارب 70 مليون دولار من إيرادات شباك التذاكر، فإنه استقطب أكثر من 4 ملايين مشاهد. ويمكن النظر إليه باعتباره معالجة حديثة للملحمة الهوميرية، إذ يحكي قصة رجل لم يتحقق توقه إلى الوطن إلا بعد سلسلة من التحديات التي هددت حياته وانتهت بمواجهة دامية مع المحتلين.
ويتتبع الفيلم مسيرة ديغول منذ عام 1940، حين كان جنرالاً مغموراً، لكنه حقق أحد الانتصارات الفرنسية القليلة على الألمان. ونقله ونستون تشرشل إلى لندن، حيث أطلق القوات الفرنسية الحرة. وينتهي الفيلم بتحرير فرنسا بعد أربعة أعوام على يد قوات الحلفاء، التي شاركت فيها قوات ديغول إلى جانب المقاومة الداخلية. ويظهر أيضاً جان مولان، أحد أبرز أبطال المقاومة، الذي أُودعت رفاته في مقبرة البانثيون عام 1964 بحضور ديغول ومالرو.
وخلال حياته، كان ديغول شخصية مثيرة للجدل عنيدة وصريحة، إذ أثار قدراً كبيراً من عدم الثقة والكراهية بنفس قدر إثارة الإعجاب والاقتناع. لكن منذ وفاته عام 1970، بقيت صورته إيجابية إلى حد كبير لدى الفرنسيين.
وأظهر استطلاع حديث أجرته مؤسس «إبسوس-بي في إيه» أن 87% من الفرنسيين يرون ديغول نموذجاً مثالياً للزعيم السياسي، بينما اعتبر نحو 40% أن أبرز القيم التي يمثلها هي «روح المقاومة» و«القدرة على توحيد الشعب». وفي استطلاع عام 2025 حول الرئيس السابق للجمهورية الخامسة الذي يرغب الفرنسيون في عودته إلى الحكم، اختار 55% ديغول، مقابل نسبة تقارب نصف ذلك لجاك شيراك، الذي حل في المركز الثاني.
وتتزامن هذه الموجة من الحنين إلى ديغول مع موجات حر قياسية وحرائق غابات واسعة تجتاح فرنسا. وربما كان قضاء خمس ساعات، وهي مدة عرض الفيلمين معاً، في دار سينما مكيفة موضع ترحيب لدى الباريسيين بقدر مشهد ديغول وهو يسير في شارع الشانزليزيه بعد تحرير باريس عام 1944.
كما تستحضر الحرائق وموجات الحر تهديداً وجودياً يُذكر بالغزو والاحتلال النازيين عام 1940. وخلال زيارة ماكرون إلى بورم-لي-ميموزا، إحدى بلدات الجنوب التي دمرتها الحرائق، استحضر الرئيس الفرنسي الروح الديغولية، مندداً بتشاؤم بعض النخب الفكرية والسياسية والمالية، التي شبهها بروح عام 1940 التي سبقت الهزيمة العسكرية الفرنسية. وفي المقابل، أشاد بـ«المقاومة» التي أبداها الفرنسيون في مواجهة الحرائق.
وكما غيرت الحرائق ملامح أجزاء واسعة من فرنسا، أعادت السنوات الأخيرة تشكيل خريطتها السياسية. ومن المفارقات أن حزب «التجمع الوطني»، الذي يسعى إلى تقديم نفسه وريثاً للإرث الديغولي، كان عند تأسيسه قبل نصف قرن، باسم «الجبهة الوطنية»، معادياً بشدة للديغولية، فضلاً عن مواقفه المعادية للسامية والمسلمين. ورغم أن زعيمتها السابقة، مارين لوبان، قد خلصت الحزب من أسوأ عناصره، إلا أنها احتفظت بكراهية الأجانب العميقة التي ورثتها عن والدها مؤسس الحزب جان ماري لوبان.
وأظهر استطلاع «إبسوس-بي في إيه» انقساماً واضحاً بشأن ورثة ديغول السياسيين. فنحو نصف الفرنسيين يرون أنه لا توجد شخصية اليوم تستحق حمل إرثه، بينما يرى النصف الآخر أن أبرز من يمكن اعتبارهم ورثته، هما جوردان بارديلا، رئيس حزب «التجمّع الوطني» بنسبة 14%، ومارين لوبان، بنسبة 13%. ولم تحظ ادعاءات شخصيات أخرى، مثل جان لوك ميلانشون من اليسار المتطرف، ورافائيل غلوكسمان من اليسار التقليدي، وإدوار فيليب من اليمين التقليدي، بالقدر نفسه من الصدى. وقبيل وفاة ديغول، قال له مالرو: «كنت وحدك في 18 يونيو، وأنت وحدك اليوم. وربما كان لا بد أن يكون الأمر كذلك»، في إشارة إلى خطاب ديغول الشهير عبر هيئة الإذاعة البريطانية عام 1940.لكن ديغول لا يستطيع اليوم العودة لإنقاذ فرنسا. ومع ذلك، فإن التصفيق الحار الذي غالباً ما يملأ دور السينما الفرنسية بعد نهاية فيلم بودري يكشف أنه ليس وحده، فما زال الفرنسيون يلتفون حول نموذجه، ويستحضرون إرثه في الأوقات العصيبة.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
*أستاذ في جامعة هيوستن، ومؤلف كتاب «مطاردة السعادة: ستندال وفن العيش».