لقد خطت دولة الكويت نحو الانفتاح اقتصادياً على العالم بخُطى ثابتة، فمنذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الكويت والصين عام 1971، حرص البلدان على تطوير روابطهما السياسية والاقتصادية والتجارية، حتى أصبحت هذه العلاقة اليوم شراكة استراتيجية راسخة تحمل الكثير من الفرص الواعدة لمستقبل البلدين وشعبيهما.
وكانت الكويت أول دولة خليجية تقيم علاقات دبلوماسية مع الصين، الأمر الذي يعكس مبكراً إدراك الكويت لأهمية الانفتاح على الشرق وبناء علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية. وقد شكّلت زيارة المغفور له الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح إلى الصين عام 2018 محطة تاريخية مهمة في مسيرة هذه العلاقات، حيث اتفق البلدان على إقامة شراكة استراتيجية، بما يفتح آفاقاً جديدة للتعاون في مجالات الاقتصاد والتجارة والطاقة والبنية التحتية والاستثمار وغيرها. كما جرى التأكيد على أهمية المواءمة بين «مبادرة الحزام والطريق الصينية ورؤية الكويت 2035، بما يخدم الأهداف التنموية للبلدين.
إن سياسة الانفتاح الكويتي نحو الشرق التي بدأها الراحل الشيخ صباح الأحمد، رحمه الله، لم تكن مجرد توجُّه دبلوماسي، بل كانت رؤية اقتصادية واستراتيجية أدركت أهمية تنويع الشراكات الدولية والاستفادة من التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي. وقد فتحت هذه السياسة آفاقاً واسعة أمام الكويت لتعزيز التعاون مع الصين، التي أصبحت خلال السنوات الماضية أكبر شريك تجاري للكويت.
وتشير البيانات الصينية إلى أن حجم التبادل التجاري بين البلدين بلغ نحو 18.58 مليار دولار في عام 2025، مقابل نحو 16.29 مليار دولار في عام 2024، فيما استوردت الصين في عام 2025 نحو 19 مليون طن من النفط الخام الكويتي. وهذه الأرقام تؤكد أن العلاقة الاقتصادية لم تَعُد محصورة في تجارة النفط، بل تتجه بصورة متزايدة نحو مجالات أكثر تنوعاً، تشمل البنية التحتية والطاقة المتجددة والاقتصاد الرقمي والمناطق الاقتصادية والإسكان والبيئة والتقنيات الحديثة.
العلاقات المتنامية بين البلدين تظهر بوضوح من خلال مشروعات استراتيجية، من بينها مشروع ميناء مبارك الكبير، إلى جانب مشروعات الكهرباء والطاقة المتجددة وإعادة تدوير الكربون والبنية التحتية البيئية والمناطق الحرة والاقتصادية.
المرحلة المقبلة ينبغي أن تشهد الانتقال بالعلاقات الكويتية- الصينية من مرحلة الشراكة التجارية إلى مرحلة الشراكة التنموية الشاملة، من خلال جذب المزيد من الاستثمارات الصينية، ونقل التكنولوجيا والخبرات، وتوطين الصناعات، وتطوير الطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر، وتعزيز التعاون في الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والخدمات اللوجستية.
ولا شك أن الموقع الجغرافي للكويت، وما تتمتع به من مقومات مالية واستثمارية، يمكن أن يجعلها شريكاً مهماً للصين في المنطقة، في الوقت الذي تُمثِّل فيه الصين سوقاً ضخمة وفرصاً واسعة أمام الاستثمارات الكويتية. ويعزّز ذلك التوافق بين رؤية الكويت 2035 ومبادرة «الحزام والطريق»، بما يمكن أن يحوّل الكويت إلى مركز تجاري ولوجستي واستثماري أكثر حضوراً في المنطقة.
إن مستقبل العلاقات الكويتية–الصينية يبدو واعداً ومليئاً بالفرص، خصوصاً في ظل الإرادة السياسية المشتركة لتطويرها والارتقاء بها إلى مستويات أكثر تقدماً.
وما تحقق خلال العقود الماضية يمثّل أساساً قوياً لمرحلة جديدة عنوانها المصالح المشتركة والتنمية المستدامة والتكنولوجيا والاستثمار. وفي ظل المتغيرات الاقتصادية العالمية، فإن استمرار الكويت في سياسة الانفتاح المتوازن التي أرساها الشيخ صباح الأحمد، رحمه الله، وتطوير شراكتها مع الصين، يمثّل خياراً استراتيجياً ناجحاً ينسجم مع مصالح الكويت الوطنية ويعزّز مكانتها الاقتصادية، ويفتح أمام الأجيال المقبلة آفاقاً أوسع للتنمية والازدهار. اللهم احفظ خليجنا آمناً مطمئناً.
*كاتب كويتي


