منذ تسعينيات القرن العشرين، تنتهج إيران ثقافةَ التوسع التي اعتنقتها النُّخَب الحاكمة من رجال الدين والأمن والجيش. وقد ورد النص على التوسع في الدستور بالتأكيد على «نُصرة المستضعفين» وعلى تصدير الثورة. ولا يستند هذا الأمر إلى ثقافة الملالي والثوريات فحسب، بل هي ثقافة عريقة أيضاً لدى الإيرانيين. إذ كلما سادت في الهضبة الإيرانية الشاسعة دولةٌ واحدة، تميل إلى الطموح الإمبريالي التوسّعي منذ أقدم العصور. وهو الأمر الذي ثبّته صراعُ الإيلخانيين الذين حكموا فارس وتوسعوا بجواريها القريب والبعيد.
ثم الصراع مع العثمانيين من جانب الصفويين لحوالي المائتي عام. ويأتي مع هذا كلّه الإحساس الطائفي بالأقلوية وإرادة التوسع لضمِّ مزارات آل البيت بالعراق وسوريا. وهذا كلّه ينضاف إلى وعي الملالي الحاكمين بالثأر من الماضي، وبالاعتزاز بنصرة الحقّ والمزايدة على العرب (السُّنة) في فلسطين بالحاضر.
إنّ هذا الطموح الإمبراطوري وجد استجابةً من مختلف الإدارات الأميركية التي مالت لاستيعاب الإيرانيين الجدد، وليس مواجهتهم. ففي كل مطلب إيراني كان الأميركيون، بعد مماحكات، يلبّون نصفَ ما تريده إيران، وإيرانُ من جهتها صارت تعتبر التجاذبَ المثمر أفضل من التوافق على علاقاتٍ طبيعية لا تؤتي أُكلَها بسرعة! وحتى في الملف النووي الذي بدأت التوتراتُ بشأنه عامي 2003 و2004 جرى تحويلُه إلى مجلس الأمن، هدفت آلية الـ5+1 إلى إرغام إيران تحت ضغوط الحصار والعقوبات على عقد اتفاق أمني لا يقتل الذئبَ ولا يُفني الغنم. لكن خلال التفاوض السّري والعلني، منذ عام 2005، كانت هناك مساومةٌ في المقابل على العراق الذي احتلته أميركا عام 2003، وورثته إيران بعد مذابح وحروب وتهجير عندما انسحبت منه الولايات المتحدة بدءاً بالعام 2010، وانعقد الاتفاق على النووي عام 2015.
وخلال ذلك ما حصلت إيرانُ على نفوذ بالعراق فقط، بل وانتشرت ميليشياتها في سوريا ولبنان واليمن أيضاً. بعد الحروب الأميركية والإسرائيلية على إيران بالمباشر، منذ عام 2023، وتحرُّش وهجمات غزة وإسناد «حزب الله» لـ«حماس»، والضربات الهائلة على إيران، أدركت طهران أن الأذرع الميليشياوية لم تَعُد مفيدةً في وقايتها وقد هوجمت مباشرةً هجماتٍ ساحقةً، فمضت باتجاه إقفال مضيق هرمز باعتباره الوسيلة الأخيرة للمساومة على عدم إسقاط النظام. واعتبرت أن الحوثيين يستطيعون الإضرارَ بباب المندب وبجاره ميناء المخا.
ما عاد لدى إيران سبيل للتوقّي إذن من إسقاط النظام إلاّ إقفال الممرات البحرية، والتي تزعج العالمَ كلَّه، وبالذات دول الخليج العربية ومصر والأردن. وما اكتفت إيران بالانسداد الذي أحدثته في الممرات البحرية، فعمدت لاقتراف هجمات عدوانية ضد دول الخليج والأردن بالصواريخ والمسيّرات وبعنفٍ أقوى من قصفها لإسرائيل التي قاتلتْها، ولا تزال تلك الاعتداءات جاريةً إلى اليوم.
حروب إيران والحروب عليها ليست ككل الحروب، ولذا ستكون لها آثار سلبية جداً على علاقاتها مع دول الجوار، ولا أدري كيف سيحمي ذلك النظامَ من السقوط!
*أستاذ الدراسات الإسلامية - جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية


