لم يتجاوز عمر هاتف آيفون 20 عاماً، لكنه والهواتف الذكية الأخرى أعادا تشكيل الحياة الحديثة، من سلوك الناس وتوقعاتهم إلى طريقة تركيزهم. وكما أعادت السيارة قبل قرن تشكيل المشهد المادي، أعادت الهواتف تشكيل طريقة تفكيرنا.
ولهذا يمثل أدريان (شخصية افتراضية أطلقتها صحيفة واشنطن بوست) حالة لافتة، فهو لم يمتلك هاتفاً محمولاً في حياته قط، لا آيفون ولا بلاك بيري ولا حتى نوكيا. ولا يتعلق الأمر بأنه يعتمد على مساعد يحمل هاتفين نيابة عنه، فهو يعيش فعلًا من دون هاتف محمول، وكأنه يعيش في عالم موازٍ.
أدريان يرى أن عدم امتلاكه أي جهاز محمول من البداية هو ما مكّنه من الاستمرار على هذا النحو. ولم يكن لديه في الماضي حتى هاتف ضخم على طريقة فيلم «وول ستريت»، ولا هاتف قابل للطي. وبمجرد البدء في استخدام الهاتف، يصبح من المستحيل تقريباً العودة إلى الحياة من دونه.
وقد سببت حياة أدريان بلا هاتف بعض المتاعب لأصدقائه. ففي إحدى المرات، توجه من بروكلين إلى أماغانست في ولاية نيويورك، واستقل القطار لكنه لم ينتبه إلى ضرورة تغيير القطار في جامايكا بمنطقة كوينز. ففاته القطار، وانتهى به الأمر في مكان لم يكن يفترض أن يكون فيه، ثم دخل حانة وسأل أحد الأشخاص عن الطريق، وتمكن في النهاية من ابتكار مسار طويل ومعقد إلى أماغانست. وصل متأخراً ثلاث ساعات، بعدما أنهى قراءة كتابه، ومن دون أن ينزعج على الإطلاق، فهو يحمل دائماً كتاباً صغيراً لمثل هذه الأوقات.
والمفارقة أن هذه المواقف التي يراها الآخرون دليلاً واضحاً على حاجته الماسة إلى هاتف لا تقنعه بذلك. فإذا ضل الطريق، يسأل أحد الأشخاص. ونادراً ما يضل أصلًا، لأنه ينظر إلى الخريطة قبل مغادرة المنزل ويدون الطريق على ورقة. ويرى أن إيجاد الطريق هو جوهر الخروج والتنقل بكل ما تحمله العبارة من معنى.
أما الحياة الحديثة، فقد أصبحت مصممة لتقليل هذا النوع من عدم اليقين. يستطيع الناس معرفة موعد وصول القطار، وما إذا كان المطعم يملك طاولة شاغرة، واسم الممثل الذي نسوه، وحتى كيفية قضاء الدقائق القليلة التي تسبق وصول شخص آخر. وبفضل الهواتف، لم يعد هناك تقريباً مجال للملل. لكن أدريان يجيد الانتظار. وإذا تأخر شخص عن موعده، قد ينتظر نصف ساعة قبل أن يغادر، يقرأ، وينظر حوله. وهو يلاحظ تفاصيل لا ينتبه إليها معظم الناس، مثل زخارف مبنى لها تاريخ مميز، أو اسم غريب لمقهى، أو شخص يبدو مثيرًا للاهتمام فيبدأ معه حديثًا.
وإذا أخرج الشخص الذي يتحدث إليه هاتفه، يخرج أدريان كتاباً بدلاً من ذلك، وكأنه يقول إن من لا يجد وقتاً للحديث معه لن يحصل على وقته هو أيضاً. ويعترف، بمرح، بأن عدم إمكانية الوصول إليه يصيب أصدقاءه بالجنون من شدة الضيق، لكنه يرى أن هذا جزء من المتعة.
ومع ذلك، فهو ليس معزولاً عن العالم. يستخدم الكمبيوتر، ولديه بريد إلكتروني، ويطبع تذاكره، ويحمل دفتراً يسجل فيه العناوين والاقتباسات والملاحظات وعناوين البريد الإلكتروني للأشخاص الذين يلتقيهم. كما يحرص على التعرف إلى شخص جديد كل يوم، لأن البشر، بمختلف أنواعهم، يثيرون اهتمامه باستمرار.
قد يمنح عدم امتلاك الهاتف الذكي الإنسان حرية أكبر للتفاعل مع الغرباء، لكنه يجعله في الوقت نفسه أقل ملاءمة لعالم أصبحت فيه الهواتف جزءاً من العمل والحياة اليومية. فالهاتف يمكن أن يكون مركزاً للعمل والإبداع، ومكتباً، وكاميرا، ووسيلة للنشر، بل ومديراً دائم المطالب. كما أصبحت حياة الأطفال والمواعيد والالتزامات اليومية تُدار عبر الهواتف.
ولهذا يستمتع أدريان بمواجهة أي شخص يخبره بأنه يحتاج إلى تطبيق بالقول: «لكنني لا أملك هاتفاً»، ثم يتركه يحاول معرفة كيفية التعامل مع هذا الموقف. ويرى أن امتلاك هاتف ذكي أصبح يشبه، على نحو متزايد، التزاماً قانونياً. لقد بُني عالم كامل على افتراض أن الجميع يحملون هاتفاً ذكياً، فأصبح حمل الهاتف ضرورة لأن العالم نفسه أصبح يعتمد عليه.
وعندما يُطرح السؤال عما فقده الناس بسبب ذلك، لا يقدم أدريان إجابة مباشرة، بل يضحك. وكأن المفارقة هي أنه يعرف ما فقده الآخرون، بينما نسي الآخرون أصلاً أنهم فقدوه.
قد يبدو التخلص من الهاتف حلماً مغرياً لمن يتوقون إلى استعادة صفاء أذهانهم وحرية أيديهم، لكنه ليس خياراً واقعياً للجميع. لذلك ربما يكون السؤال الصحيح ليس: «كيف نقضي وقتاً أقل على الهاتف؟»، بل: «ما الذي أريد أن أوليه مزيداً من الاهتمام؟»
ويمكن الاقتراب من طريقة أدريان بخطوات بسيطة: التحدث إلى الناس أثناء الوقوف في الطوابير، الاتصال بالمطاعم بدلًا من اللجوء تلقائيًا إلى التطبيقات، وإبطاء وتيرة التسوق والاستمتاع بالوقت مع الأبناء، والتجول واكتشاف أشياء لم يكن مخططًا للبحث عنها.قد لا يكون التخلي الكامل عن الهاتف ممكنًا ما دامت هناك مسؤوليات يومية، مثل اصطحاب الأطفال من المدرسة، لكن يمكن على الأقل ترك مساحة صغيرة للانتظار والملل والمصادفات، أي للأشياء التي أزاحتها الهواتف من حياتنا من دون أن نشعر.
فيكتوريا وولف*
*كاتبة وصانعة محتوى أميركية متخصصة في الحياة الأسرية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»


