بعيداً عن خطاب الهراء واقتراباً من العلم، فإن العالم الجليل والرائد التنويري الكبير رفاعة رافع الطهطاوي قام بدورٍ تاريخيٍ عظيمٍ في محاولة انتشال مصر وأجيالها الجديدة من مهالك الجهل والأمية وقيادتها نحو العلم والتنوير، ومن وراء أجيال مصر أجيال العرب كافةً، وقد سعى جهده لنقل كل ما تعلمه في فرنسا ليكوّن نهجاً إصلاحياً واجتماعياً يسعى للنهوض بالأمة وإيصالها لمدارج الكمال، فهو لم يكن معنياً بخدمة بلاط محمد علي بقدر ما كان معنياً باستنهاض مقدرات الشعوب وتعليمها وتطويرها مع عدم التفريط في خدمة المهمة الأساسية التي ابتعثه من أجلها محمد علي باشا.
بعد الانحراف المشكك في عصر النهضة وروادها الذي كتبه البعض، ومنهم محمود شاكر، اتكأ عليه بعد ذلك «محمد قطب» ليذهب به لانحرافٍ أكبر فكتب في كتابه «قضية التنوير في العالم الإسلامي» ما نصه: (نحسب الأجيال الأولى من«التنويريين»-رفاعه رافع الطهطاوي وأمثاله- كانوا مخلصين، والله أعلم بهم)... ويضيف «فكان خطؤهم في طريقة التفكير، وليس في فساد الضمير» ومن بعد محمد قطب عبّر تلميذه سفر الحوالي في رسالته «العلمانية» بالقول «لنصل إلى النتيجة النهائية، وهي أن هذا الانحراف في التصورات الإسلامية كان المنفذ الذي تسربت منه العلمانية كإحدى مظاهر الغزو الفكري لتقول للناس، إن الدين لا علاقة له بالحياة» ثم يكمل في عرض نماذج تظهر رفاعة الطهطاوي أكثر من غافل فحسب، بل ومتآمرٍ بشكلٍ ما.
سبق الحديث عن تطورات هذا النهج «الصحوي» الذي تطوّر لاحقاً، إن «إخوانياً» وإن «سلفياً» بعد ما تفرقت السلفية أيدي سبأ، وكان محور الانحراف عن عصر النهضة وخطاب روّادها قد افترق لأربعة طرقٍ، الأول هو خطاب الثورة، الذي تبناه القوميون والبعثيون والناصريون والعسكر عموماً، وتبعه خطابٌ طويلٌ عريضٌ من خطاب الهراء ومن تنظيرات بعض المفكرين المعتبرين، والثاني هو الخطاب الديني المتطرف، الذي ورث جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في أسوأ طروحاتهما ثم ورث حسن البنا وسيد قطب وجماعات التكفير في السبعينيات وجماعات العرب الأفغان في الثمانينيات وجماعات الإرهاب في التسعينيات في مصر وفي العالم ومنها تنظيم «القاعدة».
والثالث هو خطاب المزايدين على نقد الدين والمركزين على استفزاز المتلقين والعابثين بالعلوم وبطروحاتٍ هدفها الاستفزاز وإثارة الجدل فقط لا غير والبقاء في الصورة مهما كلّف الأمر، أما الرابع فتمثله الطروحات النهضوية التنموية المعنية بالتقدم والرقي على كافة المستويات، فهي تكره «الثورات» وتدعم «الاستقرار» وتقدم «التنمية» على «الديمقراطية» وتتطلع للمستقبل وتسعى لتأجيل كثيرٍ من الجدل غير المجدي وغير النافع مع حرصها الشديد على كل ما يؤيده العلم ويدفع إليه وكل ما يفرضه الوعي بشروطه المهمة.
عند قراءة مشاريع نهضويةٍ مهمةٍ، مثل ما كان يكتبه حسن حنفي الذي مثل في مرحلةٍ معينةٍ «اليسار الإسلامي» وأمثاله كثيرٌ، ومثل مركزية «الثورة» فيما كان يكتبه «محمد عابد الجابري» وهو ما عارضته طروحات «عبدالله العروي» الرصينة، ومثل مشاريع مفكرين كبار، مثل جورج طرابيشي وهشام جعيط وطروحاتٍ أكثر تبنتها دور نشرٍ رصينةٍ ووسائل إعلام متمكنةٍ، ولكن الحقيقة المرة هي أن الخطابات المؤدلجة والمتطرفة ما زالت تجد لدينا جمهوراً ومؤيدين وترويجاً وتسويقاً أكبر بكثيرٍ من طروحات النهضة والتقدم والترقي الحضاري والتنموي والتعليمي والعلمي.
كان من المهم في هذه المقالات طرح سياقٍ مختلفٍ لرصد افتراقاتٍ مهمةٍ في تاريخنا الحديث والمعاصر، وتحديد تواريخ الافتراق ورموزه وخطاباته، من أجل التبصّر أكثر في واقعنا الذي أصبح مع «التفاهة الممنهجة» وتفشيها المرضي أمام أخطارٍ أكبر وانحرافاتٍ أخطر.
*كاتب سعودي


