كان حدث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 خطيراً وخطيراً جداً. إذ تبيَّن أنّ هناك انشقاقاً في الإسلام تقوده جماعةٌ إرهابية تهدد الدينَ ويهدد أمنَ العالم. وقد تسبب ذلك الحدث في مقتل آلاف الناس، وامتدت العمليات إلى أوروبا وإلى البلاد العربية والإسلامية. وكانت النتيجة المباشرة إنشاب الحرب العالمية على الإرهاب، وغزو أفغانستان والعراق. وكان من النتائج شبه المباشرة حروب الإرهاب القاعدي والداعشي على العراق وسوريا، والتي لم تكد تخمد مخلِّفةً عشرات آلاف القتلى وملايين المهجَّرين. وتظهر آثارها اليوم في نيجيريا والنيجر ودول غرب أفريقيا الأخرى.
لقد شاركت عدةُ دولٍ عربيةٍ وإسلامية في محاربة «القاعدة» و«داعش» ضِمن الحرب العالمية على الإرهاب. كما استنهضت المؤسساتِ الدينيةِ لمكافحة التطرف العنيف. وقد قيل: إنّ التطرف، وإن كان من صناعة قلة، فإنه يفسد قضيةَ الأكثرية. ولذا كان منطلق المؤسسات الدينية أُطروحتَي التأهل والتأهيل. فالتأهل يكون بالمعرفة والتأهيل يكون بالتوجه - بعد المعرفة بالعالم وبأطروحات المتطرفين - للعمل على مكافحة التطرف بنشر الفهم الصحيح للدين، ثم نشر البدائل التي تنصر مقولات الاعتدال، وتُعزّز الدولة الوطنية المستقرة والقوية والناهضة.
الدِّين قوةٌ ناعمة، وعندما يُرادُ تحويله إلى سلاحٍ مشهورٍ بأيدي المتطرفين، يحدث في الدين انشقاق، وتنفرد القلة بصناعة دينٍ جديدٍ عنيف حيال الجميع. إنّ هذا التطرف الديني ما حدث فجأةً، بل جرى العمل خلال عقودٍ على أُطروحة «النظام الكامل» الذي لا تعود الشرعية إلى المجتمعات والدول بدونه! وهكذا يدعو أنصار «النظام الكامل» إلى تطبيق الشريعة، التي لا يطبقها إلاّ المقتنعون بها من الحزبيين! وإن لم يمكن ذلك بالحسنى فيمكن استخدام القوة شأن ما فعله القاعديون والدواعش والفرق ذات التسميات المختلفة مثل «بوكو حرام» و«أنصار الدين».. إلخ! هذه هي أطروحة الإسلام السياسي وهذه مآلاتها. فهي تملك عداءً مطلقاً للدولة الحديثة في العالمين العربي والإسلامي، بذريعة الاستمداد الغربي، وبادعاء تجاهل الشريعة أو إنكارها. لكن ما هي الشريعة؟ هي الدين الذي يتكون من اعتقادات وعبادات ونظام أخلاقي ومعاملات. وهو حاضرٌ وقويٌّ في سائر الدول ولا داعي للدعوة لتطبيقه بالقوة.
وهكذا فإنّ الحادي عشر من سبتمبر ناجم عن سوء فهم متعمد للدِّين، ومطامع حزبية في الوصول للسلطة من جانب تنظيمات هائجة تحاول السيطرة على مقاليد الحكم باسم الدين. وهي تنظيمات يشقى الآن بعقائدياتها ملايين الناس، نتيجة الإصرار على مصادمة العالَم، والإساءة إلى الدين، كما الإساءة إلى الجهود الهائلة طوال أكثر من قرنٍ لإقامة الدول الحديثة التي تحفظ المصالح وتعمل على تطويرها.
لا يجوز أن تتكرر أحداث «القاعدة» و«داعش» التي تضر بأمن شعوبنا ودولنا وأمن العالم، وتضر قبل ذلك وبعده برؤية الإسلام في أوساطنا وبصورته في العالم الأوسع الذي تنتشر فيه الإسلاموفوبيا. ديننا ودولنا أمانةٌ في أعناقنا، وكما أنه لا حياة من دون الدين القويم، كذلك لا حياة من دون الدولة الوطنية الراشدة.
*أستاذ الدراسات الإسلامية - جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية


