لا يكفي من سوريا أن تلمح على لسان أمين عام الجامعة العربية باستعدادها للانسحاب من لبنان، عليها أن تصرح بذلك بنفسها وتتخذ موقفاً شجاعاً وعاقلاً بالانسحاب، ذلك لأن الاعتراف بالخطأ فضيلة في الأخلاق العربية الحميدة، واستمرار بقاء القوات السورية ومخابراتها في لبنان هو خطأ سوري قاتل.
نقول ذلك من باب الحرص على سوريا وشعبها. وكنت لسنوات عديدة أقول لأصدقاء سوريين ولبنانيين إن بقاء القوات السورية في لبنان لم يجلب... ولن يجلب لها إلا الصداع والمشاكل. وأنه آن الأوان للانسحاب المشرف بعد أن استتب اتفاق الطائف ورضي به اللبنانيون، فكان العقلاء من الأصدقاء يؤيدون، ومن تأخذهم الحمية القومية والشعارات الطنانة يعارضون، ونحن اليوم نرجو أن يقف النظام السوري موقف العقلاء.
ولا نعرف فوائد للبقاء السوري في لبنان. الفائدة السياسية يبررها السوريون بأن لبنان ورقة لعب سياسية مهمة مع إسرائيل وغير إسرائيل، وهذا منطق غريب حقاً ويضعف من مصداقية دمشق القومية، لأنها حولت بلداً شقيقاً إلى مجرد ورقة لعب، ونسيت اللعبة الأصلية والتي ينبغي أن تكون في الجولان مثلاً، على نحو ما يردد اللبنانيون ويتندرون أيضاً.
أما الفوائد الاقتصادية التي لا يتحدث عنها السوريون، ويؤكدها اللبنانيون، فيبدو أن حفنة من العسكريين السوريين ومن يتحالف معهم في النظام السوري هم الذين يحصدون هذه الفوائد، إذا صح أن هناك فوائد، سواء عبر عمليات مالية وتجارية، بعضها مشروع وبعضها غير مشروع، كما يقول فريق من اللبنانيين. فإذا صح كل هذا، فإن من الغريب حقاً أن تضحي سوريا الدولة والبلد والشعب، بسمعتها ومصداقيتها ومستقبلها واستقلالها من أجل هذه الحفنة المستفيدة، كما فعلت حتى الآن بالإصرار على البقاء في لبنان.
هذا هو المطلوب من سوريا الآن. ذلك لأن الفأس وقع في الرأس بعد اغتيال رفيق الحريري، فحتى لو أظهرت التحقيقات اللبنانية أو الدولية أن الفاعل والمدبر للجريمة هو المخابرات الأميركية أو الموساد الإسرائيلي أو زيمبابوي أو موزمبيق أو كوريا أو جمهورية ميكرونيزيا العظمى، وهو ما لن يحدث، فإن سوريا تلبس التهمة شئنا أم أبينا، شاءت أم أبت. فعلاوة على أن جسمها لبيّس كما يقال شعبياً، فإن المطلوب الآن رأسها ولابد من إلباسها الجريمة، كما أُلبس النظام العراقي تهمة أسلحة الدمار الشامل.
والمسؤولية، إضافة إلى الانسحاب السوري، تقع أيضاً على النظام اللبناني الصديق لسوريا. فلا يكفي هذا النظام المكابرة والمعاندة، حتى لو كان يملك الشرعية، وهو يملكها حقاً ولا غبار على ذلك، على رغم اعتراضات وتشنجات المعارضة التي كشفت عن وجه انتهازي قبيح. ويمكن للنظام اللبناني الصديق لسوريا إنقاذ سوريا ولبنان معاً، من مغبة الآتي، عن طريق سحب البساط من تحت أرجل المعارضة وإفشال الذرائع التي تروج لها هذه المعارضة، وذلك باتخاذ خطوة ديمقراطية شجاعة تتمثل في استقالتها ودعوة البرلمان لتشكيل حكومة مؤقتة انتقالية تمهد لانتخابات جديدة، فالوضع في لبنان في أزمة، وعلى النظام معالجتها بالاستقالة وامتلاك الشجاعة لذلك، وإفساد المخططات المشبوهة ضد لبنان، في حال وجودها، بالتضحية بالسلطة، لا بالتمسك بها، وهو ما تفعله حقاً الأنظمة الديمقراطية. وهذا لا يعني تحقيق مطالب المعارضة، بل قطع الطريق أمامها وأمام انتهازيتها للأوضاع ولدم الحريري أيضاً.
يقال "الصديق عند الضيق". وصديقك من صدَقك لا من صدَّقك. وسوريا اليوم في ضيق ولبنان أيضاً، وعليهما أن يعملا معاً، للخروج من هذا الضيق. ولا نرى طريقاً آخر في ظل الهجمة الخارجية والداخلية معاً سوى بالانسحاب السوري واستقالة الحكومة اللبنانية. ونحن الذين نحب لبنان وسوريا معاً، نصدقهما القول، ونطالبهما بالشجاعة، بدل المكابرة، وبالتضحية بدل التمسك بالشعارات، أياً كانت. فإنقاذ الأوطان وضمان استقلالها أسمى ما يمكن أن يقوم به السياسي المخلص، والوطني الغيور، والقومي العاقل.
... أما الحريري الشهيد، فإن من المشكوك فيه أن يعرف قاتله. لكن من غير المشكوك فيه أن يذهب دمه هدراً. فدمه اليوم يرسم معالم مرحلة جديدة وكبيرة في المنطقة.


