منذ أيام، طالبت معالي الشيخة لبنى القاسمي وزيرة الاقتصاد والتخطيط بتوسيع دائرة مناهج الاقتصاد للمرحلة الثانوية لتشمل طلبة المرحلة الثانوية بقسميها، ولتتماشى مع التوجهات الاقتصادية للدولة وحتى يتعرف أبناؤنا على هذه السمات والتوجهات بما يوفر لهم حصيلة معرفية اقتصادية. وهذه الدعوة تستحق من الجهات المعنية اهتماما حقيقيا لأن الكثير من الإشكاليات التي يعانيها المجتمع المحلي في ممارساته اليومية تعود بدرجة كبيرة إلى غياب ما يمكن تسميته اصطلاحا بالثقافة الاقتصادية. فأسواق الأسهم المحلية مثلا لم تعد حكرا على فئة أو شريحة معينة من المواطنين، بعد أن جذبت في الآونة الأخيرة شرائح تمثل مختلف قطاعات المجتمع على وجه التقريب، بل إن أحد التقارير تحدث عن أن "التركيبة العجيبة" من رواد البورصة قد أسهمت في ظهور دور لـ"قارئات الفنجان" اللاتي تتم الاستعانة بهن للتعرف إلى مستقبل حركة الأسهم!! صحيح أن اللجوء إلى "الفنجان" لا يتماشى مع القواعد التي تحكم الأداء في أسواق المال، ولكنه يكشف عن الخوف من المجهول في ظل غياب الثقافة الاقتصادية في حدها الأدنى، ما يحتم بالتبعية الاهتمام بغرس مبادئ التجارة والاقتصاد وإضافتها بجرعات متفاوتة في مناهجنا التعليمية. وربما كنا في الإمارات أكثر حاجة من غيرنا للتعرف إلى أبجديات التعامل في أسواق الأسهم والقوانين التي تحكم الأسواق الاقتصادية والنظريات التي تتعرض لقوى العرض والطلب وغير ذلك، كي نتغلب على الأمية الاقتصادية وأساليب "الفهلوة" التي يتعامل بها الكثيرون مع هذه الأمور والنتيجة تكون في أغلب الأحوال ليست في مصلحتهم، وفي أفضل الأحوال يرضون بفتات الأرباح في إدارة شؤونهم التجارية خصوصا تلك التي يكون الطرف الوافد حاضرا بقوة فيها.
نقول ذلك أيضا لأن حرص الدولة على إعطاء الأولوية في الاكتتاب عند تأسيس بعض الشركات لذوي الدخل المحدود وصغار المستثمرين، يتحول إلى "غنيمة" يتلقفها الوسطاء الذين يتاجرون بأحلام هؤلاء البسطاء في أن يصبحوا من أصحاب المحافظ الاستثمارية، حتى ولو اقتصر الأمر على أسهم معدودات في أي من الشركات!! الدعوة إلى نشر الثقافة الاقتصادية تتماشى إذاً مع توجهاتنا في هذا المجال، وتسهم في غرس مفاهيم وقيم حياتية جديدة لدى المواطن مثل اقتصاديات الشراء وثقافة الادخار والتعامل الصحيح مع السلع والخدمات وفقا لقوانين المنفعة، باعتبار ذلك إحدى آليات التغلب على ارتفاع الأسعار ونقل عجلة التحكم في السوق من التاجر إلى المستهلك، وتصب أيضا في خانة تمكين المواطن اقتصاديا وتشجيعه على أن يصبح شريكا فعليا قادرا على كسر احتكارات السوق في قطاعات تجارية، وبالتالي فتح آفاق جديدة للتوظيف وإيجاد فرص العمل بعيدا عن الوظائف الحكومية، التي لن تقدر - على المدى البعيد - على احتواء الطاقات البشرية المواطنة التي تفرزها منظومة التعليم، ويحجم القطاع الخاص عن توظيفها بما يعمق مشكلة البطالة ويفاقمها مستقبلا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية