في قلب العاصمة السودانية الخرطوم, تنعقد المفوضية المكلفة بصياغة مسودة الدستور, الذي يؤمل منه أن ينتقل بالبلاد, من حالة الحرب الطاحنة إلى مرحلة الديمقراطية والسلام والاستقرار. ومن خلال شاشة التلفزيون القومي, تطل علينا وجوه العديد من كوادر وشخصيات الحركة الشعبية التي أبرم التصالح معها مؤخراً, وفي مقدمتهم ياسر عرمان, الناطق الرسمي باسم الحركة ووجهها الإعلامي البارز.
وعبر الشاشة نفسها, نتابع كرنفالات ومهرجانات ومواكب السلام التي عمت سائر مدن السودان تقريباً. ولكن أليس غريباً أن تتواصل في الأجواء ذاتها, وفي سياق سياسي يفترض فيه أن يدفع بنا وببلادنا نحو السلام وإنهاء الحرب الأهلية, برنامج "ساحات الفداء" التلفزيوني الشهير, الذي يعد أحد أهم مرتكزات إعلام الحرب وقارع طبلها الحكومي الأول؟ وأنا أشاهد هذا البرنامج , يخطر في ذهني دائماً هذا السؤال: كيف للسلام أن يتحقق وطبول الحرب لا تزال تعلو وتدق في قلب الخرطوم؟ أليس تحقيق السلام يتطلب تهيئة الأجواء كلها, بما في ذلك الأجواء النفسية والثقافية, للانتقال من زمن الحرب إلى زمن السلام؟
لم يكن لهذا البرنامج أن يستمر إلا بإرادة وأوامر المسؤولين عن تسيير الأجهزة الإعلامية, فهو لم يستمر يقيناً بمحض الصدفة, أو نتيجة لعدم كياسة القائمين على أمر البرامج في تلفزيون السودان. وعليه فإن السؤال لا يزال قائماً: وكيف للحرب أن تضع أوزراها, وطبولها لا تزال تعلو وتدق؟! وإذا كان الحديث لا يزال قوياً ومستمراً عن "الثوابت"... فهل الحرب نفسها وثقافتها هي من صميم هذه الثوابت؟ تناقض صارخ وحاد, بين "ساحات الفداء" وانعقاد اجتماعات مفوضية الدستور, ومواكب وكرنفالات السلام! إنه لغز مرئي, تتعذر قراءته وتركيب صوره وتجميعها مع بعضها بعضاً!.
عمر البكري عز الدين- سوداني مقيم في البحرين


