جوهر التجربة الدينية الحقة هو ترويض النفس البشرية بحيث يدرك الإنسان مقدرته على التسامي وتجاوز الواقع المادي والقوانين المادية بكل حتمياتها، وفي الوقت ذاته يدرك حدوده، ومن هنا تصبح طاعة الإله تعبيراً عن هذا الإدراك الذي تستند إليه المنظومة الأخلاقية الدينية بتأكيدها مسؤولية الإنسان وحريته ومقدرته على الاختيار، وفي ذات الوقت ضرورة أن يدرك أنه ليس وحده في هذا الكون وأن عليه واجبات يجب أن يؤديها ومعايير أخلاقية وقيماً إنسانية يجب أن يلتزم بها. فالإيمان بضرورة إقامة العدل في الأرض والإحسان والمساواة بين البشر ليست مسائل غريزية مادية، وإنما هي نتيجة ترويض النفس. ويقف التعصب الديني على الطرف النقيض من هذا الموقف. فالمتعصب لا يدرك إمكانياته أو حدوده البشرية، وبدلاً من طاعة الإله فإنه يطوعه، فهو يتصور أنه حين ينطق بكلمة إنما يتحدث باسم الإله، وبالتالي تصبح إرادته من إرادة الله ويصبح مرجعية ذاته، ولذا لا يمكن الإهابة بقيم إنسانية أو أخلاقية تقع خارج نطاق ذاته. وبالتالي تهمش قيم مثل العدل والإحسان والمساواة وانطلاقاً من هذا التصور، يحاول المتعصب أن يفرض كلمته وإرادته على بقية البشر، أليس هو المتحدث باسم الإله؟
وثمة عناصر داخل العقيدة اليهودية تساعد على هذا الاتجاه نحو التعصب والتمركز حول الذات، أهمها الحلولية، أو وحدة الوجود، بمعنى حلول الخالق في مخلوقاته وتوحده معها. فالإله في الإطار الحلولي اليهودي يفقد وحدانيته ويصبح مجرد امتدادٍ لوعي الأمة بنفسها، فيظل إلهاً قومياً خاصاً مقصوراً على الشعب اليهودي وحده، بينما نجد أن للشعوب الأخرى آلهتها (خروج 6/7)، ولذا تصبح وحدانية الإله من وحدانية الشعب. ويلاحظ أن دعاء الشماع (الذي يشبه شهادة "أن لا إله إلا الله" في الإسلام) يبدأ بعبارة "اسمعي يا إسرائيل"، أي أن الشعب اليهودي ككل، وليس الإنسان الفرد ذا الضمير الفردي، يشهد على وحدانية الإله. (بينما نجد أن الشهادة في الإسلام ينطق بها الإنسان الفرد، وهي علامة على إدراكه إمكانياته وحدوده كإنسان وكمسلم). ولهذا، ظلت اليهودية دين الشعب اليهودي (جماعة إسرائيل) وحده، ونجد أن الغرض الإلهي يتركز في هذا الشعب دون سواه، فقد اختير من بين جميع الشعوب ليكون المستودع الخاص لعطفه واهتمامه. كما أن مجرى الطبيعة أو تاريخ البشر يدور بإرادة الإله حول حياة ومصير اليهود. ولنقارن هذا بالمفهوم الإسلامي حيث نجد أن الإنسان بشكل عام، وليس الإنسان المسلم وحده، يقف في مركز الكون، ولكنه مع هذا لا يملكه لأنه "مستخلف فيه" وحسب من قبل الله. وفي التلمود تزداد أهمية اليهود كشعب مقدَّس، ويزداد التصاق الإله بهم وتحيُّزه لهم ضد أعدائهم. وقد جاء في التلمود أنه بعد وصول الماشيَّح (المسيح المخلص اليهودي الذي سيقود شعبه إلى صهيون ويحكم العالم)، سيجلس الإله على عرشه يقهقه فرحاً لعلو شأن شعبه، وهزيمة الشعوب الأخرى التي تحاول دون جدوى أن يكون لها نصيب في عملية الخلاص. ولكن يجب الانتباه إلى أن هذه النزعة أو الطبقة الجيولوجية الحلولية توجد إلى جانبها في التلمود نصوص كثيرة تؤكد وحدانية الإله وتساميه وتشجب النزعات التشبيهية. وجاء في سفر التثنية (14/2) "لأنك شعب مقدَّس للرب إلهك. وقد اختارك الرب لكي تكون له شعباً خاصاً فوق جميع الشعوب الذين على وجه الأرض". وتتواتر الفكرة نفسها في سفر اللاويين (20/24، 26): "أنا الرب إلهكم الذي ميَّزكم من الشعوب... وتكونون لي قديسين لأني قدوس أنا الرب. وقد ميَّزتكـم من الشعـوب لتكونوا لي". ويشـكر اليهــودي إلهه في كل الصلــوات لاختيــاره الشعب اليهودي.
ويدل الاختيار على تفوق اليهود عِرقياً، فقد اختير إبراهيم لنقائه، واختير اليهود لأنهم من نسله. وقد جاء في التلمود ما يلي: "كل اليهود مقدَّسون... كل اليهود أمراء... لم تُخلَق الدنيا إلا لجماعة إسرائيل... لا يُدْعى أحد أبناء الإله إلا جماعة إسرائيل... لا يحب الإله أحداً إلا جماعة إسرائيل". ويصل الحلول إلى منتهاه وإلى درجة وحدة الوجود في تراث "القبَّالاه"، فهو تراث يكاد يكون خالياً تماماً من أي توحيد أو تجاوز أو علو للإله، بحيث لا يصبح هناك فارق بين الجوهر الإلهي والجوهر اليهودي، ويصبح الفارق الأساسي هو بين الجوهر اليهودي المقدَّس وجوهر بقية البشر. ويصبح الفرق بين اليهود والأغيار فرقاً جوهرياً، فاليهود قد خُلقوا من مادة مقدَّسة (حل فيها الإله بروحه) مختلفة عن تلك المادة (الوضيعة العادية المدنسة) التي خُلق منها بقية البشر.
ويظهر هذا النزوع الحلولي المتطرف في أحد التعليقات القبَّالية في أحد كتب المدراش على إحدى فقرات سفر إشعيا (43/12)، حيث جاء فيها "أنتم شهودي، يقول الرب، وأنا الله"، وهي فقرة تؤكد وحدانية الإله وتساميه. وهي وإن كانت تتحدث عن علاقة خاصة، فإنها مع هذا أبعد ما تكون عن الحلولية أو الشرك. ولكن كاتب المدراش الحاخامي يفرض الطبقة الحلولية على الطبقة التوحيدية فرضاً فيفسرها بقوله: "إن الإله يقول حين