يعتبر مفهوم العلاج الجماعي (mass medication)، من أكثر مفاهيم الصحة العامة إثارة للجدل والخلاف. فحسب هذا المفهوم، يتم تعريض جميع أفراد المجتمع - وبدون استثناء- إلى عقار معين، بهدف تحقيق الوقاية من مرض ما. أشهر الأمثلة التي توضح هذا المفهوم، هي فكرة إضافة مادة الفلوريد (Fluoride) إلى مياه الشرب، بهدف زيادة مقاومة الأسنان للتسوس، وخصوصا بين الأطفال. ولكن كما هو الحال في الكثير من المواضيع الطبية الحديثة، لا ينتهي الأمر عند هذا الحد أو بهذه السهولة. فالبعض يرون أن إضافة الفلوريد إلى مياه الشرب، هو تصرف له عواقبه الصحية طويلة الأجل. ففي رأيهم أن تراكم الفلوريد في الجسم عبر الأيام والسنين، قد يؤدي إلى الإصابة بسرطان العظام، أو الإصابة بالقولون العصبي، أو التعرض لاضطرابات الغدة الدرقية. وهذه المخاوف لم تنجح الدراسات الحديثة في دحضها تماما، رغم إثبات تلك الدراسات مثلا لعدم وجود علاقة بين إضافة الفلوريد إلى مياه الشرب وبين الإصابة بسرطان العظام.
هذا الموقف برمته، والشد والجذب بين مؤيدين ومعارضين لإضافة الفلوريد، دفع مجلس البحوث الطبية في بريطانيا، إلى مطالبة المراكز الطبية المتخصصة بإجراء المزيد من البحوث لحسم هذه القضية. المثال الآخر على العلاج الجماعي، هو إضافة عنصر اليود إلى ملح الطعام. فالمعروف أن اليود مادة غذائية أساسية، ضرورية لقيام الغدة الدرقية الموجودة في أسفل الرقبة بأداء وظيفتها الأساسية بشكل سليم، والمتمثلة في إفراز هرمونات الغدة الدرقية. ويؤدي نقص اليود في غذاء الأم أثناء الحمل، إلى اختلال في وظائف الغدة الدرقية، ومن ثم إصابة الطفل بالتخلف العقلي. ورغم أن هذه الحقيقة الطبية البسيطة معروفة وموثقة منذ سنين، إلا أن ملايين الأطفال حول العالم لا زالوا يولدون مصابين بالتخلف العقلي، مع تدهور قدرتهم على التعلم، من جراء نقص اليود في غذاء أمهاتهم. هذه المأساة يمكن علاجها ببساطة، من خلال إجراء سهل وبسيط، هو إضافة اليود إلى ملح الطعام كما ذكرنا. وبالفعل نجح هذا الإجراء منذ بدء العمل به قبل عقود قليلة، في خفض معدلات الإصابة بالتخلف العقلي نتيجة نقص اليود. حيث تشير التقديرات إلى أن اليود الموجود في الملح، يتكفل حالياً بحماية أكثر من 90 مليون مولود جديد، ضد اضطرابات الغدة الدرقية وعواقبها العقلية. وتحاول منظمة الصحة العالمية حالياً القضاء على مشكلة نقص اليود بين الحوامل تماماً حول العالم في غضون السنوات القليلة القادمة، وهو الهدف الذي إذا ما تحقق فسيصبح من أكبر قصص النجاح في مسيرة الصحة العامة وفي تاريخ الوقاية من الأمراض.
الفصل الأخير في مسلسل العلاج الجماعي، هو الفكرة التي أصبح البعض يروج لها مؤخراً بإضافة عقاقير "الستاتينات" (Statins) إلى مياه الشرب. هذه العقاقير، أو على الأصح المجموعة من العقاقير، تستخدم حالياً على نطاق واسع جدا لخفض مستوى الكوليستيرول، وغيره من الدهون في الدم، كإجراء وقائي ضد الإصابة بتصلب الشرايين، وما ينتج عنها من ذبحة صدرية أو سكتة دماغية. وتضمن هذه المجموعة العديد من المركبات، مثل السيبما- ستاتين والآتروفا-ستاتين والروسوفا– ستاتين (Simvastatin, Atorvastatin, Rosuvastatin). وبالفعل أظهرت الدراسة تلو الأخرى، قدرة هذه العقاقير على خفض الوفيات نتيجة أمراض الشرايين بمقدار الثلث تقريباً. وهو ما دفع البعض إلى المطالبة بإضافة أحد هذه العقاقير إلى مياه الشرب، مثل إضافة اليود إلى ملح الطعام. وتتمتع هذه الفكرة بجاذبية خاصة، إذا ما وضعنا في الاعتبار أن أمراض شرايين القلب والتي يتسبب ضيقها وانسدادها في الإصابة بالذبحة الصدرية، تتسبب في وفاة أكثر من سبعة ملايين شخص سنوياً، أو ما يعادل 13% من وفيات أفراد الجنس البشري كل عام. أما أمراض شرايين المخ فتتسبب في مقتل أكثر من خمسة ملايين ونصف مليون شخص سنوياً، أو ما يعادل 10% من وفيات أفراد الجنس البشري كل عام. ولكن تصطدم فكرة "الستاتينات" في مياه الشرب بعائقين، الأول هو التكلفة، والثاني هو الأعراض السلبية المصاحبة لاستخدامها.
فمجموعة "الستاتينات" معروف عنها غلاء أسعارها، حيث غالباً ما يتخطى العلاج بها للشخص الواحد آلاف الدراهم سنوياً. هذه النقطة، يرد مؤيدو فكرة "الستاتينات" في مياه الشرب عليها، بحقيقة أن الكثير من تلك الأدوية سيخرج قريباً من نطاق الحماية الفكرية، وبالتالي سيصبح من الممكن تصنيعه بكميات ضخمة منخفضة السعر، تضاف إلى خزانات المياه ومحطات الضخ في المدن الكبيرة. العائق الثاني, أمام وصول "الستاتينات" إلى صنبور المياه، هو الأعراض الجانبية والتي تصل إلى درجة الوفاة أحياناً، مع تأثيرها الضار على الأجنة أثناء الحمل والمتمثل في إصابتهم بتشوهات الذراعين والساقين. هذه النقطة يدحضها مؤيدو فكرة إضافة "الستاتينات" إلى مياه الشرب بحقيقة أن معدلات الوفيات من جراء التعاطي المستمر لأحد أفراد هذه المجموعة، لا تزيد على احتمال الواحد في المليون. وهي نسبة أقل بكثير من الوفيا